الصفحة 5 من 46

«من تأمّل ... تراجم الأئمّة الأعلام ... وفيما انتهى إليه الحال في زمنٍ وقعنا فيه، عَلِم أن نسبتنا إليهم كنسبة عامّة زمانهم [إليهم] ؛ فإنّ قُصارى أمرنا النّقلُ عنهم بدون أن نخترع شيئًا من عند أنفسنا، وليتنا وصلنا إلى هذه المرتبة، بل اقتصرنا على النّظر في كتب محصورة ألّفها المتأخِّرون المستمِدّون من كلامهم، نكرّرها طول العُمُر، ولا تطمح نفوسنا إلى النّظر في غيرها، حتى كأنّ العلم انحصر في هذه الكتب، فلزم من ذلك أنّه إذا ورد علينا سؤالٌ من غوامض علم الكلام تخلّصنا عنه بأنّ هذا كلام الفلاسفة، ولا ننظر فيه، أو مسألةٌ أصولية قلنا: لم نرها في جمع الجوامع فلا أصل لها، أو نكتةٌ أدبيَّة قلنا: هذا من علوم أهل البطالة، وهكذا ... ، فصار العُذر أقبحَ من الذنب.

وإذا اجتمع جماعةٌ منّا في مجلسٍ فالمخاطباتُ مخاطباتُ العامّة، والحديثُ حديثهم، فإذا جرى في المجلس نكتةٌ أدبيّة ربّما لا نتفطّن لها، وإن تفطّنّا لها بَالغنا في إنكارها والإغماض عن قائلها إن كان مساويًا، وإيذائِه بشناعة القول إن كان أدنى، ونسبناه إلى عدم الحِشمة وقلّة الأدب. وأمّا إذا وقعت مسألةٌ غامضة من أيّ علمٍ كان، عند ذلك تقومُ القيامة، وتكثر المقالة، ويتكدّر المجلس، وتمتلئ القلوب بالشّحناء، وتُغمِض العيون على القذى، فالمرموق بنظر العامّة، الموسوم بما يُسمّى العلم: إمّا أن يتستّر بالسُّكوت حتى يُقال: إنّ الشيخ مستغرقٌ، أو يهذو بما تمجُّه الأسماع، وتنفر عنه الطِّباع ... فحالنا الآن كما قال ابن الجوزي في مجلس وعظه ببغداد:

ما في الديار أخو وَجْدٍ نطارِحُه ... حديثَ نجدٍ ولا خِلٌّ نجاريه» [1] .

وبعد العطّار بقرنٍ من الزمان تقريبًا بلغ فساد التعليم وضعف الخرّيجين ذِروتَه، حتى قال الشيخ بدر الدين الحلبي (1324 هـ/1906 م) ، رحمه الله: «وظيفة التعليم أصبحت عقيمة، بما اعترى جسمها من الأدواء، فما تكاد تنتج شيئًا، ولو أردنا أن نحصي عدد النّاجحين من أولئك المستعدّين لتعلّم العلوم الدينية نجاحًا نسبيًا، لم يكونوا أكثر من واحد في كلّ مائة، ولو طلبنا الناجحين حقيقةً الذين يمكنهم القيام بوظيفة التعليم لم يكونوا أكثر من واحد في الألف إن كَثُر عددهم» [2] .

فهل هذا الزمن الذي نحن فيه الآن خيرٌ من زمن العطّار (ت: 1250 هـ) ، وزمن بدر الدين الحلبي (1324 هـ/1906 م) ؟!

ربّما كان الجواب «نعم» ، نسبيًا، على صعيد الجمود والتقليد والتعصُّب، لكنّه، لا شكّ، «لا» ، على صعيد تخريج الفقهاء والعلماء المتأهّلين.

وذلك لأنّ مناهج الإصلاح في التعليم الديني في الأعصار الأخيرة حتى عصرنا هذا التي دعا إليها أمثال الشيخ محمد عبده وابن باديس وابن عاشور والخضري وبدر الدين الحلبي والحجوي وابن بدران وغيرهم من الفضلاء، لم تؤتِ، في واقع التطبيق، أُكُلَها المنشودة. وغاية الأمر أنْ خفَّ بفضلها الاعتماد

(1) العطّار: حسن بن محمد بن محمود الشافعي، حاشية العطّار على شرح الجلال المحلي على جمع الجوامع، (2/ 247) .

(2) الحلبي: بدر الدين محمد بن مصطفى النعساني، التعليم والإرشاد، ص 11.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت