في باب الغصب: «سببُ الخلاف في هذا اعتبار أشدِّ الضّررين باعتبار ذات الضّرر، ومَن يلحقُه من حيث كونُه غاصبًا وغير غاصب» [1] . فأبو حنيفة - في عددٍ من المسائل - لا يرى لواقعة الغصْب أثرًا في الحيد عن قاعدة ارتكاب أخفّ الضّررين، والجمهور لا يرون تطبيق القاعدة؛ لأنَّ الغاصب متعدٍّ، وتطبيق القاعدة في صالحه تخفيفٌ عليه وترخيصٌ له، وهو ليس أهلًا لذلك. ففي المناظرة التي جرت بين محمّد بن الحسن والشافعي، رحمهما الله، في مسألة الذي غصَب لوحًا وجعله في بناء سفينة، قال الشافعي يجب نقضُ السّفينة وردُّ اللّوح إلى مالكه إذا لم يقبل بقيمته، فقال له محمّد بن الحسن: «أليس قد قال النبي، صلى الله عليه وسلم:"لا ضرر، ولا إضرار"؟!» قال الشافعي: «قلتُ: هو أضرَّ بنفسه، لم يضرَّ به أحد» [2] . فالشافعي لم يلتفت إلى الضّرر الذي سيقع على الغاصب جرّاءَ نقض السفينة؛ لأنَّه هو الذي تسببَّ فيه ابتداءً على وجه العدوان.
قال الكاساني: «إذا غصب لَبِنًا أو آجُرًّا أو ساجةً فأدخلها في بنائه ... لا يملك الاسترداد عندنا، وتصير مِلكا للغاصب بالقيمة خلافًا للشّافعي، رحمه الله، فهو على أصله المعهود في جنس هذه المسائل أنَّ فعل الغاصب محظورٌ، فلا يصلح سببًا لثبوت الملك، لكون الملك نعمةً وكرامةً فالتحق فعلُه بالعدم شرعًا، فبَقِيَ ملك المغصوب منه كما كان. ولنا: أنَّ المغصوب بالإدخال في البناء والتركيب صار شيئًا آخر غير الأول لاختلاف المنفعة ... ولأنَّ الغاصب يتضرَّر بنقض البناء. والمالك، وإن كان يتضرّر بزوال
(1) منح الجليل لعليش: (7/ 103) .
(2) آداب الشافعي ومناقبه لابن أبي حاتم: ص 122.