ملكه أيضًا، لكنَّ ضرره دون ضرر الغاصب؛ لأنّه يقابله عِوض، فكان ضررُ الغاصب أعلى، فكان أولى بالدّفع» [1] .
وعلى غِرار الخلاف في باب الغصب يأتي الخلاف في عقود الفساد بين الحنفية والجمهور فبينما يرى الحنفيّة أنَّ إثبات بعض الآثار للعقود الفاسدة، وجواز تصحيحها بإزالة سبب الفساد دون الحاجة إلى الفسخ والترادِّ هو ارتكابٌ لأخفّ الضّررين، يرى الجمهور وجوب الفسخ دون نظرٍ إلى الضّرر الواقع على المتعاقدين أو على أحدهما جرَّاءَ هذا الفسخ، وذلك لكونهما آثمين أو مُقصِّرَين في التسبُّب في هذا العقد الفاسد فلا يستَحِقَّان التخفيف.
وملاحظةُ مشروعية السَّبب الموقِع في الحاجة إلى الأخذ بأخفّ الضّررين، وعدم ملاحظة ذلك، هو مأخذ الخلاف في عددٍ لا بأس به من المسائل الفقهية المعاصرة، منها، على سبيل المثال، مسألةُ جواز إجهاض النُّطَف: فالذين اعتبروا السبّب الموقع في الحاجة إلى الأخذ بأخفّ الضّررين فرَّقوا في الحكم بين أن يكون الحمل حصل بسببٍ تُعذر فيه المرأة، كغصْبٍ وإكراه، فأجازوا الإجهاض، وبين أن يكون حصل بسبب الزّنى فلم يجيزوه، والذين لم يعتبروا السّبب لم يفرِّقوا بين الحالين.
ومثلُ ذلك مسألة رَتق غشاء البكارة: فالذين فرَّقوا بين من انفتق غشاء بكارتها لعذرٍ ومن انفتق غشاؤها بسبب الزّنى، التفتوا إلى السّبب الموقِع في الحاجة إلى الأخذ بأخفّ الضّررين، والذين لم يفرّقوا لم يلتفتوا إلى ذلك.
(1) بدائع الصنائع للكاساني: (7/ 149) .