فهرس الكتاب
محمد القرشي
كُن على حذر من الطائفتين، ولا تهلك نفسك بالسير مع إحدى الفرقتين المارقتين، الغلاة أشباه الخوارج والضالون المرجئون الذين ينعتون أهل الحقّ بهذه الصفة القبيحة، صفة الخوارج .. وابتغ بين هاتين الفرقتين سبيلًا ..
إنّ الحمد لله القائل في كتابه العزيز (وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ) ، نحمده حمدًا كثيرًا طيّبًا مباركًا فيه، والصلاة والسلام على المبعوث رحمةً للعالمين، تركنا على المحجّة البيضاء، ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلاّ هالك، ولا يتنكّبها إلاّ ضالّ هالك. أمّا بعد:
فإنّ الحديث عن فرقة الخوارج هذه الأيّام هو حديث عن ماضٍ مؤلم، أضاعت فيه هذه الفرقة الطاغية من دماء الأبرياء وحياة الأتقياء وأموال المسلمين ما لا يُحصيه إلاّ الله سبحانه وتعالى، وصرفت الخلافة عن قتال أعداء الله والمسلمين إلى دفع شرورهم والتصدّي لهم وحالت دون الدعوة إلى الله سبحانه، وهكذا حال أصحاب البدع والضلالات قديمًا وحديثًا يستنفذون طاقات الأمّة، ويضيّعون جهودها بإخماد نار فتنتهم عمليًّا بتجييش الجيوش وعلميًّا بردود العلماء عليهم وبيان ضلالاتهم ..
وأمّا حديثًا ففي هدر طاقات الشباب المسلم وتمزيق شملهم وهم أحوج ما يكونون للاجتماع والتصدّي لأعداء الله سبحانه وتعالى من المنصّرين والمنافقين وأصحاب الضلالات من الفرق المارقة عن الدين من بهائيين وقاديانيين وقوميين وقبوريين وغيرهم كثير، ولهذا وذاك كان حقًّا على العلماء وتلاميذهم بذل الجهد الجهيد في بيان مروق هؤلاء وأولئك تطبيقًا لقوله تعالى (وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ) .
من هم الخوارج؟
كما هو ملاحظ من الاسم، فالخوارج: هم طائفة أبت إلاّ تمزيق صفّ المسلمين وتشتيت شمل الموحّدين، فخرجت على الخليفة الذي تمّت بيعته من أهل الحلّ والعقد وتمّت له الإمامة على المسلمين. قال الشهرستاني في كتابه الملل والنحل «كلّ من خرج على الإمام الحقّ الذي اتّفقت الجماعة عليه يُسَمّى خارجيًّا سواء كان الخروج في أيّام الصحابة على الأئمة الراشدين أو (من) كان بعدهم على التابعين لهم بإحسان والأئمة في كلّ زمان" [ج1/ص114] . وزاد عليه ابن حزم رحمه الله في كتابه «الفصل في الملل والنحل» : «ويلحق بهم مَن شايعهم على أفكارهم أو شاركهم في آرائهم في أيّ زمان".
وعند الحديث عن نشأتهم سنزيد الصورة وضوحًا عن تعريف الخوارج الشامل -إن شاء الله تعالى- إذ الاقتصاد على معنى الخروج فقط تقصير في التعريف.
متى ظهر الخوارج؟
أمّا من حيث الاتّجاه - وهو التشنيع على أمير المسلمين - فقط ظهرت بوادرها في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم، عندما طعن عبدالله ذو الخويصرة التميمي بقسمة رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال فيها -ولبئس ما قال-: «هذه قِسمة ما أُريد بها وجه الله"، وقال أيضًا «إعدل يا رسول الله"، فقال الصادق الأمين «ويلك، إن لم أعدل فمن يعدل؟ ". ثمّ قال فيه: «يخرج من ضئضئ هذا قوم تحقرون صلاتكم إلى صلاتهم وصيامكم إلى صيامهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية ... » [أنظر كامل القصّة في البخاري ومسلم] .
وأمّا من حيث كونها فرقة لها تجمّع وعقائد وشوكة، فقد ظهر هذا بعد التحكيم الذي حدث بطلب منهم (وكانوا في جيش عليّ رضي الله عنه وأرضاه وطالبوه بالتحكيم) بين عليّ ومعاوية رضوان الله عليهم جميعًا، ثمّ قاتلهم عليّ رضي الله عنه حتّى كان قتله رحمه الله ورضي عنه على أيديهم الخبيثة.