يعد هذا الحديث من روائع القصص النبوي وبدائع الأحاديث النبوية لما تضمنه من فوائد نافعة ونصائح رائعة للدعوة والدعاة، أفردها بعض طلبة العلم بالتصنيف والتأليف ونحن في هذا المقام نقتصر على فائدة واحدة وهي التي يدور حولها حديثنا؛ وهي ان الفرار بالدين إلى الكهوف نحوها مؤشر لبداية الظهور والتمكين، ويشير إلى هذه الفائدة تواري الراهب في كهف أو صومعة أو جبل أو نحو ذلك عن الملك وجنوده وسدنته من علماء السوء - السحرة -
ولم يقتصر هذا الراهب على التواري عن أعين الطغاة بل كان يصدر بيانات ويدعو إلى عقيدة التوحيد والنهج السديد، فاقتنع بدعوته المباركة هذا الغلام المبارك، الذي فتح الله تبارك وتعالى على يديه قلوب أمة بكاملها ونجاهم الله بدعوته من الشرك والعبودية - التحاكم - لغير الله تبارك وتعالى.
المثال الثاني:
إن مما هو معلوم لدى كل مسلم أن نبينا عليه الصلاة والسلام حبب إليه قبل البعثة الخلوة والتحنث في غار حراء - والغار: هو الكهف الصغير - وبعد فترة من هذا التحنث والخلوة في هذا الكهف الصغير أرسل الله إليه الوحي بالرسالة، فابتدأ صلى الله عليه وسلم حياة النبوة والرساله من كهف صغير في أعالي جبل.
عن عائشة أم المؤمنين أنها قالت: أول ما بدىء به رسول الله صلى الله عليه وسلم من الوحي الرؤيا الصالحة في النوم، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، ثم حبب إليه الخلاء، وكان يخلو بغار حراء فيتحنث فيه - وهو التعبد الليالي ذوات العدد - قبل أن ينزع إلى أهله ويتزود لذلك، ثم يرجع إلى خديجة فيتزود لمثلها، حتى جاءه الحق وهو في غار حراء.
فجاءه الملك فقال: اقرأ، قال: ما أنا بقارئ، قال: فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني، فقال: اقرأ، قلت: ما أنا بقارئ، فأخذني فغطني الثانية حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني، فقال: اقرأ، فقلت: ما أنا بقارئ، فأخذني فغطني الثالثة ثم أرسلني، فقال: {اقرأ باسم ربك الذي خلق * خلق الإنسان من علق * اقرأ وربك الأكرم} .
فرجع بها رسول الله صلى الله عليه وسلم يرجف فؤاده، فدخل على خديجة بنت خويلد رضي الله عنها فقال: زملوني زملوني، فزملوه حتى ذهب عنه الروع، فقال لخديجة وأخبرها الخبر: لقد خشيت على نفسي، فقالت خديجة كلا والله ما يخزيك الله أبدا، إنك لتصل الرحم وتحمل الكل وتكسب المعدوم وتقري الضيف وتعين على نوائب الحق.
فانطلقت به خديجة حتى أتت به ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى بن عم خديجة، وكان امرأ تنصر في الجاهلية، وكان يكتب الكتاب العبراني فيكتب من الإنجيل بالعبرانية ما شاء الله