العدو لا يعتبر عدوًا لذاته؛ وإنما يعتبر عدوًا بفعله، فإذا فعل أي: ظهر له فعل يدل على ما في قلبه أصبح عدوًا لنا، ولا أدل على ذلك من قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ} [التغابن:14] ، فإن الزوج والولد لا يعتبران في أصلهما عدوًا؛ ولكنهما قد يفعلان فعلًا يضعهما في هذه الخانة من العداء، ولا فعل أقبح من حيلولة الزوج والولد بين العبد وطاعة ربه سبحانه وتعالى [1] .
وقد جاءت كلمة العدو بعدة معانٍ مختلفة في كتاب الله تعالى بالاضافة للمعنى السابق، فتارة جاءت بمعنى الشيطان، قال تعالى: {وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ} [البقرة:208] ، وقال تعالى: {قَالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ} [الأعراف:24] .
فالشيطان هنا لما بدأ بالمكر والتخطيط والكيد للإنسان لإخراجه مما هو فيه من النعيم الدائم، أو حرمانه من الرجوع له كان العداء بينهما.
وتارة أخرى جاءت بمعنى الكافرين، قال تعالى: {وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا} [النساء:101] ، وقال تعالى: {مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ} [البقرة 98]
والعداء هنا للكافرين لما يحملونه للمسلم من فتنة، أو بغض وكره لما يؤمن به من غيبيات: كإيمان بالله واليوم الآخر والملائكة والرسل وغيرها.
وجاءت بمعنى المنافقين، قال تعالى: {وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ} [المنافقون:4] .
أما العداء مع المنافقين فلما يحملونه من بغض وكره لهذا الدين ولكل من يسير في طريقه، فتصبح صورتهم الباطنة ليست ببعيدة عن صورة الكافرين السابقين، فدخلوا بذلك في إطار الأعداء للإسلام والمسلمين.
(1) ينظر: القرطبي: الجامع لأحكام القرآن والمبين لما تضمنه من السنة وآي القرآن، 21/ 17؛ الدمشقي: اللباب في علوم الكتاب، 19/ 135.