تعتبر إجارة منافع الأعيان بين التاجر الفلسطيني والعدو الصهيوني اليوم غير متحققة بشكلها الواسع؛ وذلك لأن العدو قد اغتصب أرض فلسطين بما عليها من مقدسات وعقار وأشجار، فهو ليس بحاجة لأن يستأجر منهم شيئًا، بل تمادى إلى ما هو أكثر من ذلك، ففي بعض المناطق التي تكون له السيطرة الكاملة عليها مثل القدس، وبعض أراضي الضفة الغربية إذا احتاج لأي عقار منها؛ فإنه لا يطلب من أهلها الاستئجار منهم، بل يقوم بمصادرتها قهرًا، وهذا واضح وجلي في واقعنا المعاصر من مصادرة العقارات في بيت المقدس، وأحيانًا هدمها بحجة عدم الترخيص أو بأية حجة واهية أخرى.
وبعد أن شرع العدو في بناء الجدار العازل بينه وبين الفلسطينيين في الضفة الغربية والقدس المحتلة والذي استمر بناؤه حتى لحظة كتابة هذه الدراسة، أخذ بمصادرة الأراضي من أهلها وضمها إليه بغير وجه حق، كما سلب الأرض على مدار احتلاله لأرض فلسطين، وإذا كان هذا هو الواقع الحاضر فإنه لم يسمح الأعداء للمسلمين في أرض فلسطين بالاستئجار منهم بعد أن سلبوا الأرض من أصحابها.
والأصل في مسألة استئجار منفعة العين من وإلى العدو الصهيوني اليوم عدم الجواز، سواء في حق التاجر الذي يعيش في الدول العربية والإسلامية، أو يعيش في الأراضي المحتلة من العدو؛ كون هذه العين مغصوبة من أراضي المسلمين، والمغصوب المعلوم غصبه لا يجوز شراؤه من غاصبة أو إجارته إذا عُلم بهذا الغصب، ولا يخفى على مسلم أن العدو الصهيوني غاصب لأرض فلسطين وغيرها، قال ابن تيميه:"وإن كان الذي معهم _أي التتار_ أو مع غيرهم أموال غصبوها من معلوم، فتلك لا يجوز اشتراؤها لمن يتملكها" [1] ، ولكن إذا اضطر التاجر الفلسطيني - خاصة - لاستئجار عقار داخل الأراضي التي يسيطر عليها العدو لتخزين بضاعة أو لنقلها أو للسكنى أو لفتح مكتب أو غير ذلك، فيرى الباحث بأنه لا حرج في ذلك، وهذا من باب الضرورة التي ألجأته لذلك، وهذا في حال عدم وجود عقار أو آلية نقل تناسبه عند مسلم مثله، فإن وجد حاجته عند مسلم، فحينها لا يجوز له أن يستأجر من العدو من باب المقاطعة له على ما فعل من سلب وغصب لعقارات المسلمين.
(1) ابن تيمية: مجموعة الفتاوى، 29/ 153.