بل صبر لمدة أربعة عشر عامًا كاملة توالى على سجنه وتعذيبه ثلاثة خلفاء من كبار خلفاء بني العباس على التوالي! إلا أنه رحمه الله حسم القضية من بدايتها، وشعر بعظم الأمانة التي تحملها، وهو من علماء هذه الأمة، وعلم أن كل فتوى تصدر منه سيكون لها بالغ الأثر في هداية الناس أو تضليلهم والعياذ بالله، وبالتالي حماية العقيدة أو الانتقاص منها!
لذلك لما جاءه تلميذه المروذي وهو بين الهُنبازين؛ قال: «يا أستاذ! قال الله: {وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ} [النساء: 29] قال: يا مروذي؛ اخرج وانظر، فخرجت إلى رحبة دار الخلافة، فرأيت خلقًا لا يحصيهم إلا الله، والصحف في أيديهم؛ والأقلام والمحابر، فقال لهم المروذي: ماذا تعملون؟ قالوا: ننظر ما يقول أحمد؛ فنكتبه، فدخل فأخبره؛ فقال: يا مروذي! أضل هؤلاء كلهم؟» [1] .
وفي هذا السياق سياق «الفتوى» المؤثرة في باب الاعتقاد لاسيما إذا صدرت من عالم مجتهد، ما كان يصل للإمام أحمد من سؤالات واستفتاءات في قضايا أشكلت على بعض طلبة العلم، فيفتي فيها الإمام بما يصحح المعتقد ويهدي سواء السبيل.
ومن ذلك: ما جاء في «طبقات الحنابلة» : أنه لما
(1) «سير أعلام النبلاء» (11/ 253) .