الوقف في ظل التشريع الوضعي
الباحث: معالي الأستاذ عمر مسقاوي [1]
إن قيام الدولة اللبنانية في بداية العشرينات من القرن الماضي وضع التشريع اللبناني أمام تلك الثروة العقارية الواسعة التي خلفتها الحضارة الإسلامية في بلاد الشام عبر صيغة الوقف كمفهوم قانوني وشرعي ومضمون اجتماعي، وتنطلق مؤسسة الوقف مما كان قَد ْ روي من وقف عمر بن الخطاب رضي الله عنه لأرضه في خيبر وهي أرض كانت محببة إليه لكثرة خيراتها فاستشار النبي صلى الله عليه وسلم ما يصنع بها فأشار عليه بحبس أصلها وجعل غلتها في الفقراء والمساكين ففعل.
وعندما جعل عمر بن الخطاب وقفه هذا في وثيقة مكتوبة، وأشهر عليها وأعلنها على الناس في زمن خلافته على أولئك الصحابة رضوان الله عليهم فقام كل منهم بوقف أرض جعل ريعها في الخير العام ثم لذريته نصيبًا.
ولأن التصرف بالوقف أساسًا عمل تعبدي بالنسبة للواقف وعمل يتعلق بحقوق المستفيدين منه وفقًا لشروط الواقف فقد ارتبطت الأوقاف تاريخيًا بصلاحيات القضاء الشرعي أساسًا.
والواقع أن الوقف الإسلامي عبر الحضارة الإسلامية قد أسس لنمطية الحياة الاجتماعية والاقتصادية بما يوفر الأمن الاجتماعي في مختلف مراحله.
والأوقاف كانت التعبير عن حركة المجتمع التي انتظم إيقاعها في المبادرة الفردية وحدها. فكانت سمة العصور الثابتة عند تغير الممالك والعروش. وحينما افتتح السلطان سليم مصر وقد وجد اتساع عقارات الوقف في عهد المماليك، وما نتج عنها من ثروة واسعة أعادت التوازن الاجتماعي بعيدًا عن سلطة الدولة، لم يستطع أن يضع يده على الأوقاف ليضمها إلى خزينة الدولة إذ منعه الفقهاء باعتبارها محصنة بقوة القضاء الشرعي الذي كانت له الولاية العامة على مسيرة الأوقاف في المجتمع.
لذا نص الفقهاء دائمًا على منع السلطان وممثليه من رجال الحكم والإدارة من التدخل في شؤون الوقف.
كان ذلك في ظل الأمبراطورية العثمانية التي بطبيعة تكوينها من ناحية ومن ناحية أخرى نتيجة الواقع السياسي لمفهوم الدولة في القرن السابق على عصر الأنوار فإن حيوية الوحدة الاجتماعية كانت تطرح حضورها التضامني والابداعي في مختلف الفنون التي طبعت حضورها على الأماكن العامة وكان للحضارة الإسلامية حصتها في ذلك الابداع الذي تجلى عبر مؤسسة
(1) 1 - وزير الأشغال سابقًا.