للحملات أثناء نظر مشروع ميزانية وزارة الأوقاف وتلا ذلك تقديم اقتراحات قوانين في مجلس النواب ترمي إلى إلغاء الوقف عامة أو إلغاء الوقف الأهلي أو تنظيمه وقام الجدل بين كثير من العلماء ورجال القانون والباحثين ورددت الصحف مختلف الآراء وتكونت هيئة لتمثيل المستحقين للمطالبة بإلغاء الوقف الأهلي أو تنظيمه.
ومن اطلاعنا على مجريات هذه الضجة التي انتهت إلى الأربعينات أي ما بعد الحرب العالمية الثانية نرى أن هيئة كبار العلماء عام 1347 هجرية التي توافق عام 1927 أصدرت بيانًا موقعًا من أئمة المذاهب الإسلامية الأربعة الحنفية والشافعية والمالكية والحنبلية تؤكد عدم جواز بيع الأوقاف وفقًا للشريعة الإسلامية وأن التفريق ما بين الوقف الخيري والوقف الأهلي هو تفريق تحكمي لأن الخير مفهوم عام يشمل نفع المجتمع الفقير والقريب تأكيدًا للمصلحة ووحدة المجتمع. وبعد استعراض أقوال الفقهاء في مذكرة تزيد على 66 صفحة نشرت ذلك الزمن، واتفق أن وجدتها في المكتبة القديمة من سوق الأزبكية فإنني اشير إلى ما ورد في الصفحات الأخيرة من مذكرة كبار العلماء:"نحن لا ننكر أن الأوقاف التي تقع تحت ولاية نظار غير نصحاء قد يختل أمرها لكن هذا لا يمس حكمه مشروعية الوقف ولا ترجع تبعيته إلى الواقف وإنما تقع على عاتق من لم يتحروا في اختيار هؤلاء النظار .. ومثل نظار الأوقاف كمثل القوام على أموال اليتامى فإذا كان ما يعرض من القوام من سوء التصرف لا ينفي حكمه جعل مال اليتيم إلى ناظر ناصح أمين وقد نص الأصوليون على أن النهي عن الشيء إن كان لذاته اقتضى فساد ذلك الشيء وإن كان لعارض لا يقتضي الفساد كالنهي عن الصلاة في الأرض المغصوبة فإنه لعارض الغصب لا لذات الصلاة ولذلك كانت الصلاة في الأرض المغصوبة صحيحة مع الإثم."
والواقع أن الاختلاف نشأ مع قيام الدولة المركزية وفقًا للنموذج الغربي هو اختلاف ثقافة وليس اختلاف مصلحة فالنظرة إلى مفهوم الملكية طبقًا للشريعة الإسلامية جزء من مفهوم الحياة الاجتماعية التي صاغها القرآن الكريم والسنة والوقف هو أحد مظاهر الأداء الاجتماعي تجاه التعامل في الملكية العقارية ولذا فالمسألة تتعلق بتعارض أساسي بين مفهوم العصر الحديث والحضارة الإسلامية.
ويبدو لنا أن فكرة الوقف كأحد مظاهر الوحدة الاجتماعية وتكافلها قد بدأت اليوم تبرز في إطار مراجعة جدية للتراث نشأت في نهاية القرن العشرين وحينما بدأت الدولة عبر العصر الاشتراكي أو الرأسمالية الجديدة تراجع مشيئتها فهناك مؤتمرات عديدة في الكويت كما في رابطة العالم الإسلامي أو مؤسسة الحضارة الاسلامية في الأردن تتولى تطوير فكرة الوقف في مفهومها المؤسسي لكنها مع ذلك تظل حتى الآن في إطارها التنظيري أو التجريبي وذلك لافتقادها عنصرًا أشار إليه الأستاذ البشري فيما أوردنا من رأيه في مقدمة رسالة الأوقاف والسياسة هذا العنصر هو الروحية الجماعية أو المناخ الذي أورثته الحياة الاجتماعية في ظل المدنية الإسلامية والتي