فهرس الكتاب
ما يتبعه حصول وازع ديني لا يكون الباعث إليه الخوف من العقاب فحسب، بل الرغبة عن الجريمة والعزوف عنها، سعيا إلى تحصيل رضا الباري تبارك وتعالى، وليعلم أنه يضل سواء السبيل كلُّ من جاوز حرمةَ حدود الله تعالى، بمخالفة أوامره، أو الوقوع في نواهيه، وفي هذا جاء الحديث الشريف عن الصادق المصدوق -صلى الله عليه وسلم-: (( .... ألا إن لكل ملك حمى، ألا إن حمى الله محارمُه ) ) [1] .
إن هذا الوازع الديني لهو الوسيلة الأفضل لمحاربة الإجرام واجتثاثه من نفس الجاني، حتى قبل أن يرتكب الجريمة، إذ أنه سيفكر أن الله تعالى يراه ويعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، وسيدرك الجاني أن العقاب سيلحقه لا محالة، سواء انكشف أمره، أم لم ينكشف، وسواء أوقع في قبضة القضاء فنال جزاءه في الدنيا، أو لم يقع، بأن أفلت من عقاب الدنيا، فإن عذاب الله سوف يلاقيه لا محالة يوم القيامة، ولا مفر منه.
إن الجانيَ إذا فكر في ذلك فإنه سيقذف في نفسه ما يمنعه من الوقوع في الجريمة، وهذا ما يصبو إليه العلماء والمقننون [2] .
أغراض اخرى:
إن العقوبة في حقيقتها تمثل إجراءً يقوم به المجتمع ردًّا على ما قام به الجاني، وهي بمثابة انتقام للمجتمع من ذلك المجرم الذي انتهك حرمته بارتكابه لتلك الجريمة.
ويمكن القول بأن فلسفة العقوبة من هذه الناحية تتضمن بين ثناياها تهدئة وتسكينًا للمجني عليه من جهة، وهي إيلام بالجاني؛ للتكفير عن إثمه، ولتطهير نفسه من جهة أخرى، وهي أيضًا في ذات الوقت تهدئ من شعور المجتمع بالسخط الذي تحدثه الجريمة في حق الجماعة من جهة ثالثة، وهذا ما تتحقق به العدالة المنشودة، ولو على قدر متواضع والله اعلم.
ولكن مع ذلك فلابد من ملاحظة أن تشريع العقوبة المقيدة للحرية، وكذا غيرها من العقوبات التعزيرية، مبني أساسًا على المحافظة على كرامة الانسان،
(1) صحيح مسلم 3/ 1219 رقم الحديث 1599، سنن الترمذي 3/ 511 رقم الحديث 1205، سنن ابن ماجه 2/ 1318 رقم الحديث 3984، السنن الكبرى للبيهقي 5/ 264 رقم الحديث 10180، صحيح ابن حبان 2/ 497 رقم الحديث 721.
(2) ينظر: التعزير في الشريعة الاسلامية، ص 296 - 297.