فهرس الكتاب
في الدلالة على مشروعية عقوبات الضرب وحلق الراس واخذ المال إلى جانب دلالته على مشروعية العقوبة بالنفي.
كما ثبت عن النبي -صلى الله عليه وسلم- انه نفى المخنثين من المدينة، فقد أخرج أبو داود في سننه عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- (( أتي بمخنث قد خضب يديه ورجليه بالحناء، فقال النبيُّ -صلى الله عليه وسلم-: ما بال هذا؟ فقيل: يا رسول الله، يتشبه بالنساء، فأمر فنفي إلى النقيع، فقالوا: يا رسول الله، ألا نقتله؟ فقال: إني نهيت عن قتل المصلين ) ). [1]
ومن الاثار التي تدل على مشروعية عقوبة النفي تعزيرًا ما روي عن الخليفة الراشد عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- انه عمد إلى عقوبة النفي مرات عديدة، فقد كان ينفي شارب الخمر إلى خيبر، ومن المعلوم ان عقوبة شرب الخمر هي الجلد، فكان نفيه اياهم تعزيرًا لهم، [2] كما ثبت عنه انه نفى صبيغ بن عسل الذي كان يكثر من السؤال عن المتشابهات ابتداعًا منه [3] ، ونفى نصرَ بن حجاج من المدينة إلى البصرة؛ لافتتان النساء به [4] ، وحيث لم ينكر عليه أحد من الصحابة ذلك فإنه يكون إجماعا [5] .
لا خلاف بين الفقهاء في أن التغريب عقوبة تعزيرية، إلا في جريمة الزنى، فقد اختلفوا في عقوبة التغريب فيها أهي من باب التعزير أو أنها حد يندرج ضمن باقي الحدود؟
وهذا الخلاف حاصلٌ على قولين:
القول الأول: إن التغريب في عقوبة الزنى عقوبة تعزيرية وليس حدا، بمعنى أن الإمام يجوز له الحكم به إذا رأى المصلحة في ذلك، ويجوز له تركه إذا بدا له خلاف ذلك.
وهو ما قاله أبو حنيفة وأصحابه -رحمهم الله-، وحجتهم في الذي ذهبوا إليه قوله تعالى: (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ) ، [6] فإن هذه
(1) سنن أبي داود: 4/ 282 رقم الحديث: 4928، وقال أبو داود: (( قال أبو أسامة والنقيع ناحية عن المدينة وليس بالبقيع ) )، وينظر: المبسوط للامام السرخسي 9/ 45.
(2) ينظر: الحسبة في الاسلام، ص 31.
(3) ينظر: الحسبة في الاسلام، ص 31، موسوعة فقه سيدنا عمر بن الخطاب، ص 212 - 213.
(4) ينظر: المبسوط للسرخسي: 9/ 45، وتنظر تلك الروايات في: فتح الباري: 12/ 159 - 160، الموسوعة الفقهية: 12/ 289.
(5) ينظر: المبسوط للسرخسي: 9/ 45.
(6) سورة النور: الاية 2.