فهرس الكتاب
الآية أصل في تقرير حد الزنى ولم يرد فيها التغريب، وإن القول به في هذه الحالة يكون زيادة على الكتاب وهذا عندهم نسخ، ولا يجوز النسخ بحديث الآحاد؛ لأنه لا يقوى إلى رتبة التواتر الذي ثبت به الكتاب العزيز.
وقالوا: إن النص الكريم جعل الجلد كافيًا لإيقاع حد الزنى، وإن القول بالتغريب يعني أن الجلدَ وحده غيرُ كافٍ في حد الزنى، وهذا ما يخالف الآية الكريمة. [1]
القول الثاني: ذهب جمهور الفقهاء إلى أن التغريب في عقوبة الزنى حدٌّ، إلا أن لهم في ذلك بعض التفصيل، فالإمام مالك -رحمه الله- يرى أن التغريب إنما يجب حدا على الرجل دون المرأة، ولعل وجه التفريق عند المالكية بين الرجل والمرأة في اعتبار التغريب حدًا فيه دونها، أن حال المرأة مبنى على الستر وتغريبها يعني تعريضها للفتنة أكثر، أو لما يتضمنه القول بتغريبها من إلجاء بعض محارمها إلى التغرب معها، وفي ذلك من الإضرار بذلك المحرم ما فيه، وهذه الأمور لا تكون في الرجل.
في حين ذهب الإمامُ الشافعي والإمام أحمد إلى أن التغريب حد واجب على كل زانٍ محصن، رجلًا كان أو امرأة. [2]
والأصل في عقوبة التغريب في جريمة الزنى ماروي عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: (البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام) . [3] فإن هذا الحديث ليس محل اتفاق بين الفقهاء، فأصحاب القول الأول -أبو حنيفة وأصحابه رحمهم الله- يرون أن هذا الحديث منسوخ ولا يصلح للاحتجاج، أو أنه غير مشهور [4] ؛ ولهذا فإنهم يقولون بالتغريب في عقوبة الزنى على أنه عقوبة تعزيرية وليس حدا، بمعنى أن الإمام يجوز له الحكم به إذا رأى المصلحة في ذلك، ويجوز له تركه إذا بدا له خلاف ذلك.
وانما ذهب الجمهور من الفقهاء إلى عدِّ التغريب حدا في الزنى مستندين إلى قوله -عليه الصلاة والسلام-: (البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام) ، [5] كما أنهم يستدلون بعدم إنكار الصحابة على الخليفتين الراشدين عمر وعلي -رضي
(1) ينظر: التعزير في الشريعة الاسلامية، ص 387.
(2) ينظر: المصادر السابقة ..
(3) صحيح مسلم 3/ 1316 رقم الحديث 1690، سنن ابن ماجه 2/ 852، رقم الحديث 2550، صحيح ابن حبان 10/ 273 رقم الحديث 4427، مصنف ابن شيبة 7/ 285 رقم الحديث 36124، شرح معاني الاثار 3/ 134 و 3/ 138 و 4/ 143، السنن الكبرى للبيهقي 8/ 210، رقم الحديث 16685 و 8/ 221 رقم الحديث 16745، مجمع الزوائد 6/ 264، تلخيص الحبير 4/ 51 رقم الحديث 1744.
(4) ينظر: المبسوط 9/ 45، فتح القدير 4/ 134 وما بعدها، تاريخ التشريع الاسلامي 1/ 639، تلخيص الحبير 4/ 51 رقم الحديث 1744.
(5) سبق تخريجه.