الصفحة 26 من 29

الله عنهما- حيث جلدا وغربا في جريمة الزنى، [1] فكان ذلك إجماعًا.

أما الحنفية فلم يقولوا بالجمع بين التغريب وحد الزنى إلا إذا رأى الإمام المصلحة في ذلك، أي أنهم يعدُّونَ التغريب في جريمة الزنى تعزيرًا، وقد أجابوا عن الحديث الذي استند إليه الجمهور بأنه منسوخ، حيث أن عقوبة الزنى كانت أولًا الإيذاء باللسان، ثم نسخ ذلك فصارت الحبس في البيوت، ثم كان حديث (البكر بالبكر ... ) وهذا كله كان قبل نزول سورة النور؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال في بداية الحيث الشريف (خذوا عني، خذوا عني، قد جعل الله لهن سبيلًا ... ) الحديث، وقد نسخ ذلك الحكم إلى الجلد فيما يتعلق بالزنى المحصن في سورة النور. [2]

وقد أجاب الحنفية عن فعل الصحابة الكرام -رضي الله عنهم- بأنهم إنما عمدوا إلى التغريب؛ لما رأوا فيه من المصلحة؛ ولهذا فإن فعلهم يكون على سبيل التعزير، لا على سبيل الحد. [3]

قد تقدم معنا أن التغريب في حد الزنى عند أبي حنيفة وأصحابه يعدُّ تعزيرا، وهذا ما يترتب عليه أنهم يجيزون أن تزيد المدة على عام، كما أنه يجوز أن يكون التغريب لأكثر من مسافة القصر [4] .

وذهب جمهور الفقهاء إلى أن التغريب يكون لأكثر من مسافة القصر، كما نفى عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- نصر بن حجاج إلى البصرة، وكما نفى عثمان -رضي الله عنه- إلى مصر، وكما نفى علي -رضي الله عنه- إلى البصرة [5] .

وذهب ابن أبي ليلى إلى أن الجاني ينفى إلى غير البلد الذي ارتكب فيه جنايته بحيث تكون المسافة بين البلدين دون مسافة القصر، نقل ذلك عنه الإمام السرخسي [6] .

وقد وافق المالكيةُ أبا حنيفة وأصحابه في جواز أن يزيد التغريب على سنة، مع أن التغريب في الزنى عندهم حدٌّ، وذلك لأنهم يقولون بنسخ ما روي عن النبي

(1) ينظر: المعونة في فقه عالم المدينة: 3/ 1380 وما بعدها، شرح الجلال المحلي على منهاج الطالبين: 4/ 281، التعزير في الشريعة الاسلامية، ص 387.

(2) ينظر: المصدر السابق.

(3) ينظر: المصدر السابق.

(4) ينظر: المبسوط للسرخسي: 9/ 45، بداية المجتهد: 2/ 326، الموسوعة الفقهية: 12/ 270.

(5) ينظر: المعونة في فقه عالم المدينة: 3/ 1380 وما بعدها، المبسوط للسرخسي: 9/ 45، بداية المجتهد: 2/ 326، شرح الجلال المحلي على المنهاج: 4/ 281، الإنصاف للمرداوي: 10/ 174، الموسوعة الفقهية: 12/ 270.

(6) ينظر: المبسوط للسرخسي: 9/ 45.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت