فهرس الكتاب
ومن خلال النظر في المعنى اللغوي للتعزير يمكننا أن نخلُصَ إلى حقيقة أن الشارع الحكيم قد أراد بتشريع العقوبات التعزيرية عمومًا ردعَ الجناةِ من معاودة الجريمة، وردعَ غيرهم من ارتكاب مثلها.
وما دام القصد من تشريع العقوبة التعزيرية التي تقيد الحرية هو الزجر والردع كما قلنا، فلا يجوز أن تقف العقوبة دون القدر الذي يتحقق به هذا القصد، أو تنال به هذه الغاية؛ لذا فلا يجوز أن تكون العقوبة أكثر مما يلزم منها لتحقيق هذا الهدف، بمعنى أن هذه العقوبة لابد أن تكون على قدر الحاجة إليها، أي: بما يتحقق معه الغرضُ الرئيسُ من تشريعها.
وهذا يعني أن العقوبة التعزيرية، ومنها العقوبة المقيدة للحرية، في حقيقتها تختلف باختلاف الناس وطبائعهم واحوالهم، فإن من الناس من ينزجر بالكلمة البسيطة والنصيحة السهلة، وهذا يحقق الغرض المذكور، ومنهم من لا ينزجر إلا باللطمة أو بالضرب أو بالحبس.
ولا يتوقف تفاوت واختلاف العقوبات التعزيرية على اختلاف الناس فحسب، بل ان الجريمة نفسها تحدد ايضًا نوع العقاب وحجمه، فقد تفاوتت العقوبة تبعًا لاختلاف الجرم أيضًا.
بل إن من الجرائم ما لا ينفع من أصحابها تحديد مدةٍ معينة، أو مقدارٍ معينٍ لعقوبته، بل لابد من حبسه حتى تتحقق توبته او يغلب على الظن انصلاح حاله، فيتم مثلًا حبس الجناة العتاة أو المجرمين الخطرين لغرض كفِّ أذاهم عن الناس، وهنا غرضٌ مزدوجٌ أيضًا، فإن المجرم بحبسه هذا يمتنع عن ارتكاب الجريمة ويبتعد أذاه ويمكن أن يشكل ذلك عبرة لغيره، فضلا عن منفعة صلاح المحكوم عليه كي يتحقق انصلاح حاله [1] .
إلى جانب الردع والزجر تهدف العقوبة التعزيرية في الشريعة الإسلامية إلى إصلاح الجناة وهدايتهم؛ ليكون ابتعاد الناس عن الجريمة ناتجًا عن وازع ديني ودافع نفسي، فإن الجريمة بوصفها معصية تشرع لها الشريعة عقوبة معينة وهو
(1) ينظر: السياسة الشرعية، ص 100، نهاية المحتاج، 7/ 175، كشاف القناع، 4/ 74، التعزير في الشريعة الاسلامية، ص 293 وما بعدها.