فهرس الكتاب

الصفحة 28 من 43

2 ـ أن في العمل به تيسير علي المسلمين وموافقة لروح الشريعة في درء الحد عن المسلمين قدر الاستطاعة , ثم على افتراض عدم صحة الحديث كما يقول ابن حزم، فهناك قاعدة أصولية [1] تقرر أنه إذا اجتمع المْثبِت ُوالنافي قدم النافي، و الشبهة نافية فصح لها التقدم، وقد أخذ بهذه القاعدة الظاهرية إلا ابن حزم.

3 ـ أن حديث درء الحدود بالشبهات وإن كان ضعيفًا، إلا أنه يصلح للاحتجاج به؛ لأنه جاء من طرق كثيرة يعضد بعضها بعضًا.

ولعله من المفيد أن أعرض رأي عبد القادر عودة - رحمه الله - بضرورة الأخذ بهذه القاعدة فيقول:- (والآثار الكثيرة المروية عن الرسول والصحابة تؤيد صحة القاعدة، من ذلك أنه لما جاء ماعز معترفا بالزنا للرسول قال عليه السلام:(لعلك قبّلت، لعلك لمست، لعلك غمزت) كل ذلك يلقنه أن يقول نعم بعد إقراره بالزنا. وجيء له بسارق معترف بالسرقة فقال له: (أسرقت ما أخاله سرق) ولما جاءته الغامدية مقرة بالزنا، قال لها نحوًا من ذلك. فهذه جرائم من جرائم الحدود كان الدليل الوحيد فيها على الجريمة هو الإقرار، وكان الرسول - صلى الله عليه وسلم - يلقن المقر أن يعدل عن إقراره، ولو لم يكن للعدول أثره في درء الحد لما أوحى به الرسول للمقر. أما كيف يدرأ العدول الحد فذلك أن الإقرار هو الدليل الوحيد في القضية، والعدول عن الإقرار شبهة في عدم صحة الإقرار، والحدود تدرأ بالشبهات.

ولما جاءت شراحة الهمدانية معترفة بالزنا لعلي بن أبي طالب - رضي الله عنه - قال لها: لعله وقع عليك وأنت نائمة؟ لعله استكرهك؟ لعل مولاك زوجك منه وأنت تكتميه؟. [2]

وما كان علي يقصد من هذه الأسئلة إلا ما قصده الرسول - صلى الله عليه وسلم -.

ومن أجل ذلك يرى الفقهاء أنه يستحب للقاضي أن يعرض للمقر بالرجوع عن الإقرار إذا لم يكن ثمة دليل إلا الإقرار. [3]

(1) هذه القاعدة خلافية، حيث يري جمهور الفقهاء أن المثبت مقدم علي المنفي، الجويني: عبد الملك بن عبد الله بن يوسف بن محمد الجويني، أبو المعالي، ركن الدين، الملقب بإمام الحرمين (المتوفى: 478 هـ) ،البرهان في أصول الفقه, المحقق: صلاح بن محمد بن عويضة، دار الكتب العلمية بيروت - لبنان وجاء فيه: 2/ 780"إذا تعارض لفظان متضمن أحدهما النفي ومتضمن الثاني الإثبات فقد قال جمهور الفقهاء الإثبات مقدم , وهذا يحتاج إلى مزيد تفصيل عندنا فإن كان الذي نقله النافي إثبات لفظ عن الرسول - صلى الله عليه وسلم - مقتضاه النفي فلا يترجح علي ذلك اللفظ الذي متضمنه الإثبات لإن كل واحد من الراويين مثبت فيما نقله, وهو مثل أن ينقل أحدهما أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - أباح شيئًا وينقل الثاني أنه قال لا يحل وكل نافٍ في قوله مثبت , فأما إذا نقل أحدهما قولًا أو فعلًا ونقل الثاني أنه لم يقل ولم يفعل فالإثبات مقدم لأن الغفلة تتطرق إلي المصغي المستمع"وينظر: السرخسي: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي (المتوفى: 483 هـ)

،أصول السرخسي، دار المعرفة - بيروت،2/ 21, الشوكاني: محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني اليمني (المتوفى: 1250 هـ) ،إرشاد الفحول إلي تحقيق الحق من علم الأصول، المحقق: الشيخ أحمد عزو عناية، دمشق - كفر بطنا، 1/ 465"وقال بعد أن ذكر رأي الجمهور وقيل يقدم النافي وقيل هما سواء"أما الظاهرية فيرون أن النافي مقدم, وجاء في إرشاد الفحول 1/ 410,409 لا خلاف أن المثبت للحكم يحتاج إلي إقامة الدليل عليه أما النافي له فاختلفوا فيه علي مذاهب ... المذهب الثاني أنه لا يحتاج إلي إقامة الدليل وإليه ذهب أهل الظاهر إلا ابن حزم فإنه رجح المذهب الأول. قالوا لأن الأصل في الأشياء النفي والعدم فمن نفى الحكم له أن يكتفي بالاستصحاب وهذا المذهب قوي جدًا، فان النافي عهدته أن يطلب الحجة من المثبت حتى يصير إليها , ويكفيه في عدم إيجاب الدليل عليه التمسك بالبراءة الأصلية فإنه لا ينقل عنها إلا دليل يصلح للنقل"وينظر الأحكام 1/ 72, الإبهاج 3/ 235, نصب الراية 1/ 360.ورجح الآمدي في الأحكام تقدم النافي علي المثبت فقال 4/ 271"والنافي مرجح علي المثبت خلافًا للقاضي عبد الجبار في قوله إنهما سواء , والمثبت و إن كان مترجحًا على النافي لاشتماله علي زيادة أن النافي لو قدرنا تقدمه على المثبت كانت فائدته التأكيد ولو قدرنا تأخره كانت فائدته التأسيس وفائدة التأسيس أولى.

(2) والأثر بتمامه:"جيء بشراحة الهمدانية إلى علي - رضي الله عنه - فقال لها، ويلك لعل رجلا وقع عليك وأنت نائمة. قالت: لا. قال: لعلك استكرهك؟ قالت: لا. قال: لعل زوجك من عدونا هذا أتاك فأنت تكرهين أن تدلي عليه يلقنها لعلها تقول نعم، قال فأمر بها فحبست فلما وضعت ما في بطنها أخرجها يوم الخميس فضربها مائة وحفر لها يوم الجمعة في الرحبة وأحاط الناس بها وأخذوا الحجارة فقال: ليس هكذا الرجم إذا يصيب بعضكم بعضا صفوا كصف الصلاة صفا خلف صف ثم قال: أيها الناس أيما امرأة جيء بها بها حبل يعني أو اعترفت فالإمام أول من يرجم ثم الناس وأيما امرأة جيء بها أو رجل زان فشهد عليه أربعة بالزنا فالشهود أول من يرجم ثم الإمام ثم الناس ثم رجمها ثم أمرهم فرجم صف ثم صف ثم قال افعلوا بها ما تفعلون بموتاكم."، وانظر: البيهقي: أبو بكر أحمد بن الحسين بن علي البيهقي، السنن الكبرى وفي ذيله الجوهر النقي، مجلس دائرة المعارف النظامية الكائنة في الهند ببلدة حيدر آباد، الطبعة، الأولى ـ 1344 هـ، (8/ 220)

(3) عبد القادر عودة: التشريع الجنائي،1/ 208 و 209.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت