الصفحة 12 من 23

تصحيح التصرفات: هو بذل الجهد والوسع في حماية تصرف صادر عن مكلف من الفساد والبطلان بوسيلة معتبرة شرعًا، إذا كان ذلك ممكنًا.

والتصحيح هنا يشمل كل الصور التي يصان فيها التصرف عن الإلغاء والبطلان، فيشمل تجزؤ البطلان، وتحول العقد، وإجازة العقد الموقوف، وتصحيح العقد الفاسد عند الحنفية.

ويعتبر تصحيح التصرفات من الموضوعات بالغة الأهمية في ميدان المعاملات المالية، وذلك نظرًا لدوره الكبير في حماية التصرفات من البطلان، الذي يجردها من آثارها ويجعلها لغوًا، وإذا كان من الواجب شرعًا صيانة تصرفات المكلف العاقل عن اللغو والإبطال، لذلك اجتهد الفقهاء في محاولة تصحيح التصرف الصادر عن المكلف ما أمكن، وقد اعتمد الفقهاء على وسائل كثيرة في ذلك، كان للقواعد الفقهية دور كبير وأثر بارز في هذا المجال.

وهذه القواعد نوعان:

النوع الأول: قواعد فقهية متعلقة بالألفاظ.

النوع الثاني: قواعد متعلقة بغير الألفاظ.

وفي المبحثين الآتيين بيان لهذه القواعد.

المبحث الأول

قواعد التصحيح المتعلقة بالألفاظ

المطلب الأول: إذا تعذرت الحقيقة يصار إلى المجاز [1] :

الحقيقة: هي اللفظ المستعمل فيما وضع أولًا [2] .

المجاز: هو اللفظ المستعمل في غير ما وضع له لعلاقة وقرينة [3] .

وتعذر الحقيقة: هو امتناع حمل اللفظ على معناه الذي وضع له، إما لعدم وجود أفراد لها في الوجود، وإما لامتناعها شرعًا أو عرفا أو بسبب تعسرها [4] .

والقاعدة تعني أنه إذا تعذر حمل الكلام على معناه الحقيقي لسبب ما فإن الكلام لا يهمل وإنما يجب حمله على معناه المجازي صيانةً لكلام العاقل عن الإلغاء [5] ، وحماية لتصرف المكلف من الإبطال، خاصة وأن المجاز وسيلة معتبرة في التعبير عن الغاية والمقصود، يقول صاحب المبسوط:"تصحيح كلام العاقل واجب، وللعرب لسانان: حقيقة، ومجاز فإذا تعذر تصحيحه باعتبار الحقيقة يصحح باعتبار المجاز" [6] .

التطبيقات:

اعتمد الفقهاء على المجاز عامة وعلى هذه القاعدة خاصة في تصحيح كثير من التصرفات التي كان مصيرها ومآلها الإهمال والبطلان، لو لم يحمل اللفظ على المجاز عند

(1) ابن نجيم، زين العابدين بن إبراهيم، الأشباه والنظائر، دار الكتب العلمية، بيروت، ط 1985، ص 135، المادة (61) من مجلة الأحكام العدلية.

(2) الشوكاني، محمد بن علي، إرشاد الفحول، تحقيق: محمد سعيد البدري، مؤسسة الكتب الثقافية، بدون تاريخ، ص 48.

(3) الشوكاني، إرشاد الفحول، ص 49.

(4) ابن أمير حاج، محمد بن محمد، التقرير والتحبير، دار الكتب العلمية، بيروت، بدون تاريخ، ج 2، ص 35.

(5) البابرتي، محمد بن محمود، العناية شرح الهداية، دار الفكر، ط 2، بيروت، بدون تاريخ، ج 10، ص 483.

(6) السرخسي، شمس الدين محمد بن أحمد، المبسوط، دار المعرفة، بيروت، بدون تاريخ, ج 7، ص 67.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت