الصفحة 19 من 23

6.لو أمر الموكل الوكيل أن يشتري له شيئًا بألف حالة فاشترى له بألف نسيئة، لزم الموكل؛ لأنه وإن خالف صورة فقد وافق معنى والعبرة للمعنى، لا للصورة [1] .

7.إذا ضرب المستصنع للاستصناع أجلًا؛ صار سلمًا عند أبي حنيفة حتى يعتبر فيه شرائط السلم، وهو قبض البدل في المجلس، ولا خيار لواحد منهما إذا سلم الصانع المصنوع على الوجه الذي شرط عليه في السلم؛ لأنه إذا ضرب فيه الأجل؛ فقد أتى بمعنى السلم؛ إذ هو عقد على مبيع في الذمة مؤجلًا، والعبرة في العقود لمعانيها لا لصور الألفاظ [2] .

المطلب السادس: الضرورات تبيح المحظورات[3]:

الضرورة: هي العذر الذي يجوز بسببه إجراء الشيء الممنوع [4] .

المحظورات: جمع محظور، وهو الممنوع، ومعنى القاعدة أن حالة الضرورة تكون

سببًا في جواز ارتكاب ومواقعة ما كان محظورًا بأصله.

وإذا كانت القاعدة العامة تقضي بأن الأصل أن يؤخذ تصرف المكلف كما هو دون تقدير أو تأويل أو زيادة أو حذف، إلا أن ضرورة تصحيح تصرف العاقل [5] قدر الإمكان قد أباحت كثيرًا من ذلك، وهذا ما نبه إليه الكمال بن الهمام بقوله:"مهما أمكن تصحيح تصرف المسلم العاقل يرتكب وله نظائر كثيرة، ولهذا يحمل كلامه على المجاز وتترك حقيقته إذا كان لا يصح على تقديره، ويدرج في كلامه زيادة لم يتلفظ بها إذا كان لا يصح إلا بذلك" [6] .

وهذه"الضرورة تقدر بقدرها"لا تتجاوز ما يقتضيه تصحيح التصرف، ومن الأمثلة على ذلك ما يأتي:

1 -العمل بدلالة الاقتضاء: والمقتضي ليس من موجبات الكلام لغة، وإنما يثبت شرعًا للحاجة إلى إثبات الحكم وتصحيح التصرف، فكان ضروريًا ثابتًا من وجه دون وجه، إذ هو غير ثابت فيما وراء ضرورة تصحيح الكلام [7] .

وهذا التقدير لا يتعدى به موضع الضرورة، لأن"الثابت بالضرورة يتقدر بقدرها" [8] ، لذلك ذهب الحنفية إلى أنه لا عموم للمقتضى؛ لأن ثبوته لتصحيح الكلام حتى لو صح بدون المقتضى لا يثبت المقتضى [9] .

يقول السرخسي:"وثبوت المقتضى للحاجة إلى تصحيح الكلام؛ ولهذا لا يثبت في موضع يصح الكلام بدونه، والثابت بالحاجة لا يعدو موضع الحاجة، ولا حاجة إلى إثبات العموم للمقتضى، ولا إلى جعله كالمنصوص عليه فيما وراء المحتاج إليه" [10] .

2 -العمل بالمجاز: والعمل بالمجاز هو نوع من الضرورة اقتضاه مقام تصحيح الكلام

(1) الكاساني، بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع، ج 6، ص 29.

(2) الكاساني، بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع، ج 6، ص 29.

(3) الزركشي، المنثور في القواعد، ج 2، ص 317، المادة (21) من مجلة الأحكام العدلية.

(4) علي حيدر، درر الحكام في شرح مجلة الأحكام، ج 1، ص 37.

(5) يقول البابرتي:"صون كلام العاقل عن الإلغاء نوع ضرورة"، العناية شرح الهداية، ج 4، ص 27.

(6) ابن الهمام، كمال الدين بن عبد الواحد،

فتح القدير، دار الفكر، بيروت، بدون تاريخ، ج 7، ص 146.

(7) البخاري، كشف الأسرار عن أصول البزدوي، ج 2، ص 236.

(8) الزيلعي، تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق، ج 5، ص 92.

(9) السرخسي، المبسوط, ج 6، ص 76.

(10) السرخسي، المبسوط, ج 30، ص 227.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت