الصفحة 13 من 23

تعذر المعنى الحقيقي لسبب من الأسباب، ومن ذلك ما يأتي:

1.قال شخص وقفت داري على أولادي، ولم يكن له أولاد عند نطقه بالوقف، ولكن له أحفاد، فهنا لا يمكن حمل الكلام على حقيقته لتعذرها بسبب عدم وجود أفراد لها، فيحمل على معناه المجازي تصحيحاُ لتصرفه، ويعتبر الأحفاد هم المقصودون بالوقف؛ لأن الحفيد يسمى ولدًا مجازًا [1] .

2.قال المشتري للبائع قبل القبض في المال المنقول: أقلني بيعتي، فقال البائع: أقلتك، فالإقالة هنا يتعذر اعتبارها بيعًا عند أبي يوسف الذي يرى أن الإقالة بيع؛ لأنه لا يمكن حمل اللفظ على حقيقته، وهو البيع؛ لأن بيع المنقول قبل قبضه لا يجوز شرعًا، وهذا التعذر تعذر شرعي، ولكن وتصحيحًا لهذا التصرف يحمل اللفظ على المجاز وتعتبر الإقالة في هذه الحالة فسخًا [2] .

3.لو قال الزوج لزوجته: أنت طالق في مرضك أو وجعك أو صلاتك لم تطلق حتى تمرض أو تصلي؛ لأن"في"حرف بمعنى مع، أو لأن المرض ونحوه لما لم يصلح ظرفًا حمل على معنى الشرط مجازًا لتصحيح كلام العاقل [3] .

المطلب الثاني: ذكر بعض ما لايتجزأ كذكر كله[4]:

وقد عبر الزركشي عن هذه القاعدة بقوله:"ما لا يقبل التبعيض يكون اختيار بعضه كاختيار كله وإسقاط بعضه كإسقاط كله" [5] .

وهي تعني أن الأشياء التي لا تقبل بطبيعتها أو بحكم الشرع [6] التجزئة يكون ذكر بعضها قائمًا مقام الكل، ويعتبر الكل مذكورًا إذا ذكر البعض، بشرط أن يكون البعض مذكورًا على سبيل الشيوع، وأن يكون البعض مما يعبر به عن الكل، وذلك تصحيحًا لتصرف المكلف ما أمكن، وصيانةً لكلام العاقل عن الإلغاء [7] ، وتغليبًا للمحرم عن المبيح، وإعمالًا للدليل بالقدر الممكن؛ لأنه

إذا لم يتكامل يؤدي إلى إبطال الدليل [8] .

وهذه القاعدة تستند إلى قاعدة"إذا تعذرت الحقيقة يصار إلى المجاز"؛ لأن إطلاق البعض على الكل والعكس [9] مجازٌ، وهو نوع من أنواع المجاز المرسل [10] .

لأجل ذلك قيد الحصيري هذه القاعدة بضرورة التصحيح، حيث أوردها على النحو الآتي:"ذكر بعض ما لا يتجزأ كذكر كله ضرورةَ التصحيح" [11] .

التطبيقات [12] :

كان لهذه القاعدة دور كبير في تصحيح التصرفات التي يتفوه بها أصحابها والتي

لو لم يُعدُّ البعض فيها قائمًا مقام الكل، لأدى ذلك إلى إبطال كثير من التصرفات، ومن ذلك:

(1) الإسنوي، عبد الرحيم، التمهيد في تخريج الفروع على الأصول، تحقيق: د. محمد حسن هيتو، مؤسسة الرسالة، ط 1، بيروت، 1400 ه‍، ص 237. الكاساني، علاء الدين ابن مسعود، بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع، دار الكتاب العربي، ط 2، 1982, ج 7، ص 345.

(2) الزيلعي، عثمان بن علي، تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق، دار الكتاب الإسلامي، بيروت، بدون تاريخ, ج 4، ص 70.

(3) السرخسي، المبسوط، ج 3، ص 286.

(4) السرخسي، المبسوط، ج 5، ص 82. ابن نجيم، الأشباه والنظائر، ص 162، المادة (63) من مجلة الأحكام العدلية، والمادة (217) من القانون المدني الأردني.

(5) الزركشي، بدر الدين بن محمد بن بهادر، المنثور في القواعد، نشر وزارة الأوقاف الكويتية، ج 3، ص 153.

(6) يقول:"وذكر بعض ما لا يتجزأ شرعًا ذكر لكله". الكاساني، بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع، ج 6، ص 8.

(7) ابن عابدين، محمد أمين، رد المحتار على الدر المختار، دار الفكر، ط 2، بيروت، 1966، ج 3، ص 259.

(8) الزيلعي، تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق، ج 2، ص 200.

(9) الإسنوي، عبد الرحيم بن الحسن، الكوكب الدري فيما يتخرج على الأصول النحوية من الفروع الفقهية، تحقيق: د. محمد حسن عواد، دار عمار، ط 1، عمان، 1985 م، ص 435.

(10) ابن اللحام، علاء الدين علي بن عباس البعلي، القواعد، تحقيق: أيمن الح شعبان، دار الحديث، ط 1، القاهرة، 1994 م، ص 165، القاعدة (24) .

(11) الندوي، علي أحمد، القواعد الفقهية، دار القلم، ط 3، دمشق، 1994 م، ص 410.

(12) الحموي، أحمد بن محمد، غمز عيون البصائر شرح كتاب الأشباه والنظائر، دار الكتب العلمية، ط 1، بيروت، 1985 م، ج 1، ص 463.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت