وتشاكلًا بين المتشابهين يقود إلى الموافقة في الأخلاق والأعمال، وهذا أمرٌ محسوس، فإن اللاَّبِس لثياب أهل العلم يجد من نفسه نوعَ انضمام إليهم، ومنها: أن المخالَفة في الهدي الظاهر تورِث مباينة ومفارقة تُوجِب الانقطاع عن مُوجِبات الغَضَب وأسباب الضلال، والانعطاف إلى الهُدَى، وكُلَّما كان القلب أتمَّ حياةً كان إحساسُه بمفارقة اليهود والنصارى باطنًا وظاهرًا أتمَّ، وبُعدُه عن أخلاقهم الموجودة في بعض المسلمين أشدَّ، ومنها: أن مشاركتهم في الهَدْي الظاهر تُوجِب الاختلاط الظاهر حتى يرتفع التميِيزُ ظاهرًا بين المهديِّين والمغضوب عليهم، إلى غير ذلك من الأسباب الحِكَمية، هذا إذا لم يكن ذلك الهدي الظاهر إلا مباحًا محضًا لو تجرَّد عن مشابهتهم" [1] ."
فأمَّا ما كان من مُوجِبات كفرهم فإنه يكون شعبةً من شُعَب الكفر، فمُوافَقَتهم فيه موافقةٌ في نوع من أنواع ضلالهم ومعاصيهم، فهذا أصلٌ ينبغي التَّفطُّن له. أهـ.
وهذه المسألة - أي: مسألة تحريم تَشَبُّه المسلم بالكافر - أدلَّتُها ظاهرةٌ جليَّةٌ، وقد صُنِّفَت المُصَنَّفَات الكثيرة في خصوص هذه المسألة وفروعها وأدلتها، وذكر الأسباب والعِلَل التي مُنِع من أجلها التَّشَبُّه بهم، ولا شك أن الدين الإسلامي هو الدين الكامل التامُّ الذي جاء بأحسن الأخلاق، وأرقى النُّظُم والتعليمات، فلم يَعُد بحاجة معه إلى غيره، فما قَرَع الأسماعَ من لدن ذَرْء الله البشر دينٌ أكمل منه ولا أتم، فكلُّ ما دعا إليه من أخلاق ومعاملات فهي النهاية في الحسن والكمال والعدل: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا} [المائدة/ 3] ، ولتمامه وكماله وملاءمته لكل زمان ومكان، وعدم حاجة البشر معه إلى غيره؛ نَسَختْ شريعتُه سائر الشرائع، فهو الدين الباقي الخالد إلى أَوَان خراب هذا العالم وانتهاء أَمَده وقيام الساعة.
إن الأمة التي اعتنقتْه وعمِلتْ بجميع تعاليمه، وطبَّقته تطبيقًا تامًّا في أقوالها وأفعالها واعتقاداتها - سَعِدتْ أكملَ سعادةٍ، ورَقَت أعلى رُتْبَة في المجد، ووصَلت إلى جميع ما تَصْبُو إليه، وانتصرت انتصارًا باهرًا بلغ حدود المعجِزات، أقرَّ التاريخُ أنهم - مع قلَّة عددهم وعُدَّتهم - ملكوا الدنيا في رُبع
(1) انظر:"اقتضاء الصراط المستقيم مخالفة أصحاب الجحيم"؛ لشيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله تعالى.