فهرس الكتاب

الصفحة 9 من 34

قرن، مع كثرة عدوِّهم، ووفرة ما لديه من عَدَد وعُدَّة، وهذا مصداق قوله - تعالى: {لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ} [التوبة/33] .

وبالاطلاع على التاريخ نجد أنه بحَسَب تَمَسُّك الأمَّة بالدين الإسلامي وتطبيقه يكون انتصارها، وبحَسَب إعراضها وتساهلها بالدين يكون ضعفُها وانهيارها، فانظر حالة المسلمين في زمن الخلافة والدولة الأموية والعباسية، وزمن نور الدين الشهيد وصلاح الدين الأيوبي، ثم حالة المسلمين بعد ذلك حينما تساهلوا بالدِّين وضَعُف تمسُّكُهم به إلى ما وصلوا إليه من ذُلٍّ واستعباد، وما ظلمهم الله؛ ولكن كانوا هم الظالمين، وهذا مصداق قوله - تعالى: {إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ} [محمد/7] ، وقوله: {إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ} [الرعد/11] ، ووَرَد في بعض الآثار: (إذا عصاني مَنْ يعرِفُني سَلَّطتُ عليه من لا يعرفني) .

وعن ابن عمر - رضي الله عنهما: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «إذا ضَنَّ الناسُ بالدِّينار والدِّرهم، وتَبَايَعوا بالعِينَة، وتَبِعوا أذناب البقر، وتركوا الجهاد في سبيل الله - أَدْخَل اللهُ عليهم ذلاًّ لا يرفعه عنهم حتى يراجعوا دينهم» [1] .

واعلم أن التشبُّه بالكفار يكون بمجرد عَمَل ما يعملون، قَصَد المشابهة أو لا، قال الشيخ تقيُّ الدين بن تيمية - رحمه الله:"وقد نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن الصلاة عند طلوع الشمس وعند غروبها، معلِّلًا ذلك النهيَ بأنها تطلع وتغرب بين قَرْنَي شيطان، وحينئذ يسجد لها الكُفَّار، ومعلومٌ أن المؤمن لا يقصد السُّجود إلا لله، وأكثر الناس قد لا يعلمون أن طلوعها وغروبها بين قَرْنَي شيطان، ولا أن الكفار يسجُدون لها، ثم إن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن الصلاة في ذلك حَسْمًا لمادَّة المشابهة من كل طريق."

ولنذكر بعضَ أمور ارتكبها بعض المسلمين واستحسنوها واعتادوها، وهي من زِيِّ الكفَّار وعاداتهم، فمن ذلك حَلْق اللِّحى وإعفاء الشارب، ولا شكَّ في قبح ذلك وتحريمه، وإنما يستحسِنه مَنْكُوسُ القلب فاسد الفطرة، قليلُ المبالاة بأوامر الدين ونواهيه، وهذا من تسويل الشيطان وتحسينه القبيح؛ أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ

(1) أخرجه الحاكم والطبراني والبيهقي بإسناد حسن.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت