والناس يومها هم أهل البهتان والكذب وهم اليهود. فإنها قد نخيلت ما سيقول الناس من اتهامها في عرضها وشرفها وهي الحصان الرزان ولا تزن بريبة عليها السلام، لكن القدر الإلهي بحصول الفضل لها، واختيار الرب أن تقع الآية عليها دون غيرها لا يمكن أن يخلو من هذا البلاء الجليل العظيم، وتلك سنة الله تعالى في قدوم المنن والمنح الربانية، تأتي على أصحابها رغم أنوفهم، ولو خيروا لاختاروا السلامة من غير معصية ولا ذنب، لكن رحمة الله تعالى تلاحقهم وتأتيهم على قدر الله تعالى دون تقديرهم، وفي الرحمة يكون البلاء وتكون المحنة.
ومثله ما وقع لأمنا عائشة رضي الله عنها في حادثة الأفك وما اصابها رضي الله عنها من البلاء ومع ذلك قال الله تعالى في الأمر: {لا تحسبوه شرا لكم بل هو خير لكم} ، ولم يكن يدور في خلدها قط أن ينزل فيها قرآن يتلى الى يوم القيامة كما ذكرت هي رضي الله عنها فقالت: (ولكن والله ما كنت أظن أن الله منزل في شأني وحيا يتلى، ولشأني في نفسي كان أحقر من أن يتكلم الله في بأمر يتلى ولكني كنت أرجو أن يرى رسول الله صلى الله عليه وسلم في النوم رؤيا يبرئني الله به) أهـ
فالذين يريدون امامة الخير دون بلاء واهمون ويبنون احلامهم على رمال وسراب.
في هذه الحالة يقف الناس في فرق شتى بحسب مقام الآخرة في قلوبهم وبحسب رغبتهم عن هذه الدنيا الفانية، وأبعدهم عن الله تعالى وأشدهم إيذاءً لأهل البلاء هم أولئك الذين ملكهم الله تعالى ألسنة الشر، منافق القلب عليم اللسان، هذا الذي يقف ليفسر كل الحدث بحسب ما فات الناس من دنياهم وما خسروا من رغباتهم، فالآخرة لا حضور لها في قلبه، يتحسر على الموتى حسرة أهل الجاهلية إذ يراهم قد خسروا الدنيا وهي عنده كل شيء ولا شيء بعدها.
فلا يرى الشهادة ولا ما أصاب الشهداء من الفضل الالهي وذلك بأن اختصهم الله بأن قبل منهم دماءهم وأرواحهم عنده ليجزيهم بها خير الجزاء وأحسنه، وينظر فلا يرى الا المساجين والأسرى قد حوتهم الجدران والأقفاص فينقطع قلبه حتى يقول لك: {لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا ليجعل الله ذلك حسرة في قلوبهم} .
ولا يرى بل يعمى عن رؤية ما أصاب الناس من فضل التمحيص ليحصل الخير صافيا في نفوس الناس لا دخن فيه، فالتبر لا يخلص ذهبا حتى يفتن بالنار، والبلاء هو فتنة الصالحين، ومن ذلك ان الله يحب تأوههم وبكاءهم ويعجب لدموعهم وهي تستغيث به وترجوه وتساله الرضىوالنجاة والقبول، وكيف لا يحب الله تأوههم وإمامهم ابراهيم عليه