مؤسسة التحايا تقدم:
تفريغ الدرس الصوتي بعنوان:
للشيخ:
أبو قتادة الفلسطيني
-فك الله أسره -
المدة:49 دقيقة
إن الحمدلله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلله فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لاشريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله وصفيه وخليله، بلّغ الرسالة وأدّى الأمانة ونصح الأمة وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين، وتركنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على المحجة البيضاء والطريق الواضح ليلها كنهارها، لايزيغ عنها إلا هالك ولا يتنكبها إلا ضال، أما بعد:-
من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصي الله ورسوله فقد ضل ضلالاً مبينا.
أيها الأحبة في الله
{وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون} [1]
هذه الأيام دول، والزمان يدور كهيئته يوم أن خلقه ربنا -سبحانه وتعالى-، والزمن ليس بدقائقه ولا بِكرّ الليالي والأنهار إنما هو بأحداثه وماتجري فيه، ولذلك التاريخ هو الزمن؛ لما يقع فيه من عظائم الأمور، ومن جليل القضايا.
وإذا كان للمرء أيها الإخوة الأحبة أن يتحدث عن زمنه هذا وعن دهره الذي يعيش، فلابد للمؤرخ أن يكون كما قالوا موضوعيًا، لايتحدث عن ذاته هو -أي المتكلم أو الكاتب- إنما يتحدث عن الحدث نفسه، وهذا تاريخنا الذي نعيش فيه وزماننا الذي نتحدث في أجوائه، لابد من وقفة قصيرة معه.
وأنتم أيها الإخوة الأحبة قد طرق أسماعكم موت طاغية من طواغيت العرب الكفرة المجرمين، ألا وهو حاكم سوريا النصيري [حافظ الأسد] ، وموته بلا شك أفرح المؤمنون، وإن كان لا بيدهم وإنما كما قالوا"بيد عمرو لا بيدي"، فكانت هذه الحادثة بيد الله -سبحانه وتعالى- والمؤمنون يفرحون بيد الله -سبحانه وتعالى- كما يفرحون أن يقع الأمر بيدهم.
وإن كان الحدث العظيم يحب أهل الإيمان أن يوافقوا شرعه كما وافقوا قدره، فموافقة الشرع -أي بقتل أعداء الله عز وجل- مع موافقة قدره في وقوع الفعل وإصابته هو تمام توفيق الله -سبحانه وتعالى- لكنه في النهاية إنما هو وَقْعُ قدر الله سبحانه، فسبحانه في علاه الذي قهر عباده بالموت، فأهل الإيمان قد فرحوا بموته وكيف لا! وفي ذلك آية من آيات الله -جل في علاه- كما كان عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- يقول: (سبحان الذي قهر عباده بالموت)
فهذا طاغية تجبر، صفّق الناس في بلده يومًا أن يحيا هو ويسقط الله، هكذا صفقوا ورفعوا شعاراتهم وكأنه إله لا ينتهي أمده!
فأهل الإيمان فرحوا بموت هذا الطاغية ولكل زمنٍ لابد من تغيّر وتبدّل، ولكن مع هذا الفرح لابد من وقفات سريعة أمُرّ عليها لأهميتها وهو أن الفرحة لم تدم؛ لأن فرحة المؤمنين إنما هو بتمام النصر، لا بحصول النكاية فقط، وإن كانت النكاية مقصد من مقاصد هذا الدين في جهاد أعداء الله عز وجل، فيفرح المؤمنون إذا رأوا الغضب والغل والتعاسة في وجوه الطواغيت، في وجوه أعداء الله -سبحانه وتعالى-
لكن الفرح بالنصر أجلى و أعظم؛ لتضمّنه هذا المعنى -أي وجود الذلة والخزي في وجوه أعداء الله- وكذلك الفرحة والبسمة في وجوه المؤمنين.
قلت: لابد في هذا التاريخ المعاصر من عبرة وهو شاهد من شواهد ربنا للخلق.
إلى أي مستوى نحن نعيش في عصرنا؟ وفي أي مستوى تعيش فيه أمتنا؟
هذا الحدث أيها الإخوة الأحبة، رجل طاغية كافر بأصله، أجمع أهل الملة على تكفير ملته، حتى قال شيخ الإسلام -عليه رحمة الله- عندما سئل عن النصيريين قال: (إنهم أكفر من اليهود والنصارى) ونكايتهم في المؤمنين أشد وأغلظ من نكاية اليهود والنصارى في المؤمنين.
فطوال عصر هذه الطائفة الخبيثة الملعونة -أي النصيرية- التي تسمت باسم [العلوية] وهو لقب أطلقه الفرنسيون عليهم تحبيبًا لهم أو تحبيبهم في قلوب الناس؛ لما في نسبة العلوية إلى [علي بن أبي طالب] -رضي الله تعالى عنه-
فهذا رجل كافر دعي في أصل ملته، وفي دينه وفي طائفة قومه، وهو كذلك رجلٌ تبنّى أخبث ما أنتج كفر العرب.
وللعرب كفر مميز! يختلف حتى عن كفر العجم.
فكفر العرب في هذا الزمان إنما هي دعوة قومية، وما أنتجت من أحزاب كفرية مرتدة، وأخبث الأحزاب القومية المرتدة هي من تبنّت دين [الشيوعية] حتى في أدنى درجاتها وهي [الاشتراكية] ، فكان [حزب البعث العربي الاشتراكي] الجامع لكل كفر.
فهذا رجل أيها الإخوة الأحبة اجتمع فيه كفرٌ أصيلٌ قديم، واجتمع فيه كفرٌ حديثٌ مستجد! ردة فوق ردة لايمكن لأعمى العين أن يخطئ النظر فيها.
مات هذا الطاغية، ثم بعد ذلك كانت أعماله، ليست ردته في أصل اعتقاده فقط؛ لكنها ردة فوق ردة فوق ردة! وكانت أعماله أيها الإخوة الأحبة أعمالاً لايمكن للمرء أن يُغفل نظره عنها.
هذا الطاغية ذبح المسلمين، وهتك الأعراض، ولاحق المُخدَرَات في بيوتهن -النساء الحصينات العفيفات في بيوتهن- لاحقهن في بيوتهن، وقتل الخيار، وحتى أنه لاحق المساجد، فخربت هذه الديار التي مدحها رسول الله - صلى الله عليه وسلم -
-أي بلاد الشام- خربت من الدين، فلوحق أهل الإيمان فيها، وقُتل الدعاة، وسُحق أهل المساجد ودُمّرت معالم الدين حتى آخر بقايا معاقل الدين من صلاة وذكر لله عز وجل.
وصنع من الأعاجيب في أمة الإسلام مالم يفعله [هولاكو] ولم يفعله التتار في زمن كفرهم وعنفوانهم!
فهو كفرٌ لا يمكن لرجل أن يخطئ النظر إليه، أو أن يفهمه فهمًا مُشَوّبا.
كان موته فيه علامات، لنقف عندها موقفاً كما قلت ويقولون موقفًا موضوعيًا، لا ذاتيًا ولا شخصيًا.
موته علامة من علامات هذا التاريخ بأن الأمة تترنحُ إلى الموت، لا أقول: إنها قد ماتت! ولكن أمة الإسلام تترنحُ موتًا.
طائفة قليلة نصيرية، تحكم معقل من معاقل الإيمان، وتحكم معقل من معاقل المسلمين، سماها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في حديث [سلمة بن نفيل الكندي] سماها: عقر دار المؤمنين.
هذه الديار -بلاد الشام- هي عقر دار المؤمنين.
طائفة لا يعلم من تاريخها إلا الخزي والعار! كان أهل السنة يصعدون إلى جبل النصيريين ويشترون بنات النصيريين، والنصيري يبيع أمه وأخته وزوجته .. ذلةٌ مابعدها ذلة! أي تاريخ هذا! وأي قدر هذا نعيشه حتى يأتي هؤلاء القوم، وهم أخس من اليهود والنصارى وهم أكثر من اليهود والنصارى حتى ملكوا رقاب العباد والبلاد .. ملكوها! وصاروا هم أهل الشوكة فيها، وصاروا هم أصحاب القرار في رقاب المسلمين وفي رقاب أهل السنة.
هذا مَعلمٌ غريب ومَعلمٌ بارز!
يدل على مقدار العجز الذي يعيشه المسلمون في هذا الوقت، ويدل على مقدار الوهن الذي أصاب قلوب الناس الذين ينتسبون إلى الإسلام، يدل على مقدار مانحن فيه.
أي رطوبة وأي عفن هذا الذي أستقر في قلوب الناس! أي خزي هذا! أليس منكم رجل رشيد!
هلّا فتى يورث الهنديّ هامتهُ .. كيما تزول شكوك الناس والتُهمِ .. !
حتى تزول الشكوك فيعرف الناس أن في أهل الإيمان من اشترى نفسه لله
-سبحانه وتعالى-
هذا معلمٌ من المعالم الغريبة!.
كل طائفة في هذا العصر، كل جماعة مهما تدنت صار لها شأن وشوكة.
اليهود / أخس خلق الله، ضرب الله عليهم الذلة والمهانة ولهم دولة! ودولتهم تعيش، وضاربة جذورها في كل قصور البلاد وفي كل قصور الحكام!
الشيعة / الذين من عقائدهم أن لايقاتلوا ... من عقائد الشيعة الروافض أن لايقاتلوا حتى يخرج مهديهم المزعوم، المتوارث [سامُرّاء] صار لهم دولة! لهم دولة ولهم شوكة ولهم وجودٌ وحضور!
الدروز / قلةٌ، فئةٌ حقيرة، لها ميزان في مكان وجودها في لبنان، تؤثر وتقرر ولها شأن!
ما من مذهب تضع يدك عليه إلا وله أهله الذين بنوا لأنفسهم وجودًا.
أما أهل السنة! فلا وجود لهم، لا وجود لهم، بل رضوا بأن يكونوا خدمًا وأتباعًا لهذه الطوائف! ولهذه المبادئ الكفرية في قيام دولها؛ لأنهم لا يفهمون دين الله.
وهذا يدل أيها الإخوة الأحبة .. أنه إذا عصى المسلم كان عقاب ربنا عليه أعظم وأكبر من عقاب الله عز وجل على الكافر، فعقاب الله للمسلمين لأهل السنة عقابٌ شديد؛ لأنهم تركوا دين الله.
ولا أقول لمّا أقول تركوا دين الله، لم يتركوا فقط! كما تقول بعض خطب الناس، ولا أقول كما يقول بعض الجماعات، لمّا تركوا دين الله بمعنى تركوا الصيام والصلاة والزكاة والحج .. لا! وتركوا قيام الليل .. لا!
تركوا دين الله في فهم تميّزهم، وفي فهم خيريّتهم، وفي فهم مرتبة قيادتهم للعالم.
تركوا دين الله لمّا رضوا بالدنايا على أن يكونوا في مشارف الأمم، وفوق القمم، هذا الذي تركوه.
[لينين] لمّا أقام دولته، أقامها على جيوش من المسلمين.
[عبدالعزيز] الخبيث -حاكم دولة السعودية-، لمّا أقامها، أقامها على جثث من سموا أنفسهم [إخوان من أطاع الله] .
[الشيعة الروافض] أقاموا دولهم على أكتاف أهل السنة.
وحركة [الإستقلال] التي جاءت إلينا بالمرتدين، وجاءت إلينا بأعداء الله عز وجل.
هذه حركة الإستقلال في كل بلاد المسلمين من كان وقودها؟ من الذي طرد الإنجليز من الهند؟ إنهم أهل السنة!
لكن .. أين ذهبت الثمار؟ للهندوس!
من الذي طرد المستعمرين من بلاد الشام؟ إنها راية الجهاد!
من الذي طرد المستعمرين من مصر؟ إنها راية الجهاد!
لكن .. النتائج كانت تذهب لمن؟ تذهب لأعداء الله -سبحانه وتعالى-
فهذا الذي أقصده من غياب دين الله عن أهل السنة والجماعة، إذن .. لابد والمشايخ والفقه والفتوى والكتب تستمرئ هذا، ويقولون إلى الآن بجهل وبظلم وبجناية على دين الله وبتقوّل على شرع الله أنه"يجوز للمسلم أن يتحالف مع أعداء الله من أجل تحقيق مصالح الدنيا كمصلحة الوطن أو ماشابه ذلك!"
ويحتجون بحلف الفضول أو المطيبين وماشابه ذلك من الأدلة الباطلة!
وكأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صنع في حياته يومًا أن تشارك مع الكفار! ومات بعض أصحابه في معركة ولو كانت صغيرة تحت حلف لتحقيق بعض مقاصد الدنيا!
أي صحابي هذا الذي مات في غير معركة التوحيد؟
دلونا على صحابي واحد .. ! لكنها التحالفات، لكنه الفقه الأعوج.
فهذا معلمٌ لابد من دراسة فيه فقه الشريعة، كما كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عليه.
ولا بد من تبرئة الناس، أهل السنة.
انظر .. الشيعة / لبنان دولة متعددة بالنسبة للوجود السياسي، يمثل الشيعة أهلهم، طوائفهم، رجالهم.
الدروز / يمثلهم أئمتهم، رجالهم.
النصارى / على كل ألوان الطيف فيهم [المارونيين و الكاثوليك] يمثلهم رجالهم.
أهل السنة / يمثلهم [سليم الحص!]
أهل السنه يمثلهم [قباني!] -مفتي البلد-
هذا لتعرفوا مقدار الوهن، ومقدار الجهل، ومقدار العفن الذي أصابَ عقل السني وأصابَ إرادته، هذا واحد ..
الشيءُ الآخر .. هو ذلك الانهيار في الحصون التاريخية لأمة الإسلام!
من هم الحصون الذين كانت تلتجئ الأمة إليهم عند الملمّات والمهمات، وعند حدوث النوازل وسقوط الفتن بين ظهراني الناس؟! من هم ملجأ الأمة؟ من الذين يُفزعُ إليهم؟ إنهم أهل العلم!
هم الذين يُفزع إليهم في الملمّات، هم الذين يُصار إليهم؛ لِما آتاهم الله من نورٍ تُكشف به الظلمات؛ لأنهم معهم نور الله.
هذا المعقلُ صار مصدرًا للسواد! مصدرًا للقبح! مصدرًا للرذيلة!
ما يُفعل إذا الملح فسد؟ العلماء هم [ملحُ البلد] هم الملح، فماذا تكون نتائج الأمور عندما يفسد الملح؟
أنتم ترون العلماء، وترون المشاهد، رأيتموهم في كل جنازة، إنما هم أئمة الإجرام! وما عُدنا نعيب أولئك الذين بجهل و بانسياق وراء عاطفة أن يكفروا الأمة! كيف لا! و هم يرون علماءها قد كفروا و ارتدوا!
ماذا نقول عن [البوطي] ! ماذا نقول عنه .. ! أجِهلَ أن الرجل نصيري؟ أجِهلَ أن الرجل بعثي؟ أجِهلَ أن يده ملطخه بدماء المسلمين؟
ماذا يجهل؟ إذا كان العالِم يجهل هذا فما عذر هذه الأمة!
ثم يصدر الأمر بأن يصلى على هذا الخبيث في بيت الله الحرام صلاة غائب! و إلى الآن لا أعلم أصُلي عليه أم لا!
لكن كان رأي رئاسة الحرمين كالشيخ [السبيّل] أنه لا بد من طاعة ولي الأمر!
وولي الأمر هو ذلك المجنون المعتوه، أنه لا بد أن يصلى عليه .. !
كيف صليتم على الحسن! و صليتم على الحسين من طواغيت العرب! و توقفتم .. ! و يحق له أن يقول هذا.
فما عَدا مِمّا بَدا، مَا عَدا مِمّا بدا .. !
مالذي تغير؟ مالذي تغير! من وجهٍ كالح .. إلى وجهٍ كالح .. !
مالذي تغير؟ فمعاقل الإسلام في آخرها قد هُدّمت.
وقبلها كنا نقول: قد هُدّدت .. أما الآن فإنها قد هُدّمت.
فهذا مَعلمٌ آخر، ستكون أفعالهم وأقوالهم، ستكون مواقفهم هي شواهد على تاريخ هذه المرحلة التي نعيش، فلا يقولن قائل: لماذا خرجتم عن طاعة العلماء و لم تمتثلوا أمرهم! إذا كانت هذه القضايا مما تهم المسلمين جميعًا ..
قضية امرأة في حيضها تهمها هي! نعم تهم صلاتها، الوضوء يهم صلاة المرء، لكن موضوع الإمامة يخص كل فرد من أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - ليس معنى هذا أنه للطفل أن يتحدث عن الإمامة! لكن الحُكْم بيده الإعلان، ولكن الحُكْم بيده القرار .. قرار الإفساد، قرار الإصلاح، قرار تكفير الناس وإيمانهم.
الحاكم كما قال عثمان -رضي الله تعالى عنه-: (إن الله ليزعُ بالسلطان ما لا يزعُ بالقرآن)
فهذا مَعلمٌ في هذا الوقت، وشاهدٌ على مقدار مانعيش فيه من بؤس و مانعيش فيه من انحطاط.
معقلٌ آخر من المعاقل التي هُدّمت .. -لا أقول قد هُدّدت- هي تلك الحركات البدعية الضالة.
الناس من الجماعات كانت تتضامن وتتوالى في بلائها.
عندما سجَن الطاغية [جمال عبد الناصر] -الخالد في جهنم- لمّا قام بسجن المسلمين في مصر وأعدم خيار الناس مثل [سيد قطب و محمد فرغلي وغيرهم] ، قامت الجماعات متضامنة بتأييد المسلمين، وبالتنديد بما فعله، بيانًا لتلك المشاعر الإيمانية بوحدة القضية.
انظروا إلى هذا المعقل وما حدث فيه! و هي بدايات حدثت في أزمة الخليج، الحركات التي قامت لإحياء دين الله عز وجل، ولجمع الشباب؛ من أجلِ إعادة حكم الله في الأرض؛ ومن أجل تبنّي قضايا الأمة العظيمة كالجهاد و ماشابه ذلك.
في أزمة الخليج صدرت الأوامر للحركات -هكذا والله- أن كل حركة لتتبنى الموقف الذي يتلاءم مع وضعها في بلدها.
فحركة في الأردن عليها أن تتلاءم مع النظام في الموقف الذي تتبنّاه في أزمة الخليج، وكذلك حركة في السعودية تتبنّى الموقف الذي يتلاءم مع علاقتها بحكام السعودية، وفي الخليج كذلك، وفي العراق، وفي مصر، وفي كل البلاد، وهو بداية الانهيار!
وهو أن الهَدْم الذي نعيشه مثلاً .. الإخوان المسلمون ومنهم جماعة حماس مثلاً؛ -لتروا ماذا صنعت البدعة فينا-، وليس هذا كلامًا عن مجاهد يريد أن يقاتل اليهود؛ لأننا حين نتحدث عن المناهج ونتحدث عن قرارات القيادة الفاسدة البدعية لا يردون علينا بـ (أن هذا القائد لا .. ليس بدعيًا ولا جاهل ولا أن موقفه موقف متخاذل) ، بل يخرجون لنا شابًا مجاهدًا مقاتلًا في سبيل الله!
ويقول: كيف تتكلمون عن هذه الجماعات وقد صنعت هذا الصنيع من الجهاد!
ردوا علينا بما نتكلم فيه .. نحن عندما نتكلم عن هذه الحركات الضالة، البدعية، المنحرفة، عندما نتكلم عليها لا نتكلم عن شباب الجهاد فيها، ولا عن أهل العلم فيها، و إن كان عليهم كلام من جهةٍ ما، ولكن نتحدث عن هذه القرارات الباطلة، نتحدث عن نظرة البدعة.
الإخوان المسلمون، هم من رفع -زعموا كذبًا-، والقصة طويلة ...
هم من رفعوا راية معاداة النصيري: [حافظ الأسد] ، وزعموا أنهم هم أصل بكارة الجهاد في بلاد الشام، وزعموا أنهم مازالوا على الخط في معاداة هذه الدولة!
شيء طيب فليذهب الناس بنصرهم، وليذهب الناس بما يقول، هذه دنيا .. هي دنيا الظلم، كما قالت الملائكة لربنا عز وجل -سبحانه في علاه-: {أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك} [2]
إذن هو شعار هذه الدنيا! هو الإفساد .. شعار تاريخ البشرية! هو الإفساد .. فربنا عز وجل قال {إني أعلمُ مالا تعلمون} وكان علم الله في خلقه أن يوجِد أقوامًا هم كالشعرة البيضاء، هؤلاء الذين يفرح الله لهم، هؤلاء هم الذين يحبهم الله، هؤلاء هم الذين صدرت إرادة الله بوجود الأرض من أجلهم؛ ليباهي بهم الملائكة.
الشعرة البيضاء في جلدِ ثور أسود، قال {إني أعلمُ مالا تعلمون}
فالكذب هو شعار التاريخ، والتزوير هو شعار ...
ذهبوا بالصيت، وذهبوا بالرايات، وجمعوا الأموال، وكذبوا في الكتابات .. !
تعالوا الآن .. مات هذا الطاغية! مات هذا الطاغية! ماذا موقف قسم من جماعاتكم فيه؟
قادة حماس! قادة حماس ينعونهم! ويبكون المجاهد البطل [حافظ الأسد]
قادة حماس يبكون الصخرة! يبكون الصخرة التي تحطمت عليها مؤامرة إسرائيل، يبكون بقية الخير في أمة العرب .. يبكونه وينعونه ويحزنون لفراقه!
هذا معقل؛ لترون ولا يقال هذا عن الإخوان المسلمين فجماعات السلفية التي رفعت راية إعلان العودة إلى التوحيد لا أدري ماذا صنعوا اليوم .. لكنه لمّا مات المجرم [ابن باسم] ذهبوا -وأعرفهم بأسمائهم- زرافات وحدانًا يعزون الرئيس المؤمن [حافظ الأسد] !
بالرغم أيها الأخوة .. هذه أمة جاهلة، ما رضي المشايخ بالسكوت، ولا رضوا بالإعتزال وهو بابٌ من أبواب الدين لو ولجوه لأصابوا خيرًا عظيم، بالرغم أنهم قبل فقط .. هذه الجماعات قبل موت باسم ابن هذا المجرم صدرت الأوامر من جهات الأمن السورية النصيرية البعثية بإقفال المعاهد الشرعية لهؤلاء السلفيين؛ لأنهم وجدوا في مكتباتهم فتاوى [ابن تيمية] والتي فيها تكفير النصيرية .. !
أمة كما قيل عن القط"يحب خَنّاقه"، أمة تصرخ فرحة لمن يدوس عليها، هذا لا نتكلم عن جماعة من الجماعات حتى نكون شهداء على هذا العصر الذي نعيشه، حتى نضع الصور والعلامات على هذه الفترة التي نحياها فما هو المعقل الذي بقي .. !
أمة كما ترون كسائمة النعم، علماء هذا شأنهم! حركات هذا شأنهم! فماذا بقي يا أخوة الإيمان؟ ماذا بقي في هذا العصر؟ ماذا بقي؟ أن ينتظر المسلمون بعد تولي هؤلاء الصغار من فراخ الكفر وأبناء هؤلاء الطواغيت! أن نقول أن تنتظر الأمة ثلاثين عامًا جديدة ليموتوا حتف أنفهم .. أن انتظروا هذا!
هذا نفق أسود ومستقبلٌ قاتم، وعصر لا يعلم البؤس فيه إلا ربنا عز وجل، ويتمنى المرء في هذا الوقت أنه لم يولد! وأنه لم يكُ شيئًا، يتمنى أنه .. ليته كان دابة مما يؤكل لحمها! .. سمّنها أهلها ثم جاء العيد فذبحوها قربانًا إلى لله فأكلوا لحمها وخرجت.
هذا هو عصرنا! وهذا هو تاريخنا! تُغتال آيات الله بيننا، ويُغتال الفرح من مآقي الناس، وتُغتال البسمة من شفاه الأطفال.
أمتنا يا أيها الأخوة الأحبة .. أمة مات فيها إحساسها! فـ"مالجرحٍ بميتٍ إيلامُ"
وإذا مات بعضك فابكِ على الآخر،
هل معنى هذا أنه لا أمل؟ إنه فعل الله، وجند الله، الذين يعدهم في الخفاء، وهم قلة وكما أقول لكم دائمًا:
إن صحوة التاريخ فيما سيأتي من الأزمان، هو كصحوة الميت الذي هو على فراش الموت، -رجلٌ يلفظ أنفاسه الأخيرة-
وكذا زماننا، يلفظ أنفاسه الأخيرة!
قبل الموت، يرتعش الميت، ينتفض، يؤمّل أهله فيه حياة جديدة! كما تخرج أسنان اللبن، كطفل يريد أن يعود إلى الحياة من جديد، فماهي إلا لحظات حتى يستقر في موته ...
نعم أيها الإخوة .. أقول هذا؛ من أجل أن نعرف تاريخ البشرية، ومن أجل أن نعرف موقعنا، ومن أجل أن لاتهتز قيم الدين في قلوبنا.
أيها الأخوة الأحبة إنها جنان، إنها جنان، ولمّا تمضِ الحياة، ويذهب الناس إلى ربهم، حينها -والله- السعيد من وعظ بغيره، والشقي من شقي في بطن أمه، أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.
الخطبة الثانية:
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ..
أيها الأخوة الأحبة هذا هو تاريخ البشرية، تاريخ البشرية [يحيى ابن زكريا] -نبي الله ابن نبي الله- يُقدَم رأسه الشريف، يُراق دمه الشريف ويُقدَم رأسه الشريف، على طبق من فضة؛ مهرًا لباغية، مهرًا لزنيّة!
هذا هو تاريخ البشرية، هذا هو تاريخ الحياة، هذا هو التاريخ.
وبقي معلمٌ آخر ...
وهو معلمٌ حتى نعرف أي سلطان من إبليس أوتيَه من تكلموا على تاريخ الإسلام، كنا نقرأ نقدهم وكلامهم على التاريخ السياسي لأمة الإسلام فيسبون على اختيار [الصديق] خليفة لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وينقدونها تحت دعوى ممارسة النقد على تاريخنا!
يسبون على أئمتنا المفكرون! هؤلاء الذين تسمعون أسماءهم، وترون صورهم اليوم -رغم أنوفكم- وتنتشر مكاتبهم، أو كتبهم تملأ رفوف المكتبات، ينقدون التاريخ الإسلامي! يسبون دولة بني أمية، ويلتقطون بطريقة الاختيار الخبيث لبعض النقاط السيئة؛ ليجمعوا منها تاريخًا أسود لأمتنا، هكذا!
فقالوا لابد من إحياء الفقه السياسي، وبعد ذلك لابد من نقده؛ لأن تاريخ المسلمين السياسي في اختيار الأئمة وفي القيام عليهم مليء بالدماء، وهو فاقدٌ لعامل مهم، هو عامل الشورى! فأمتنا كانت مغيبة!
مالذي تريدوه إذن؟ نريد الديمقراطية.
مالذي تريدوه؟ نريد استلهام المبادئ الأخرى من اشتراكية وديمقراطية ومزجها بشيء من كلمات الله في ظاهرها؛ لتكون بلدية الصنع .. ! وهكذا الناس يتململون، وعواطفهم ترفض، لكنهم رأوا أمامهم رجلاً يخرج عليهم، لا .. بل رجال يخرجون عليهم وقد اخضلّت لحاهم بشيب السنين المتطاولة قراءةً في الكتب، وتعلمًا للدين ودراسة للفقه.
يقولون: نعم إن ما انتقده أعداء الله علينا له وجه، فلا بد من مراجعة تاريخنا!
وصدّق الناس، ودعوا في بلادنا إلى الديمقراطية، وإلى حرية الأحزاب، وإلى مراجعة الفقه السياسي.
وهاهو قد صدّق الببغاء ما يُلقى عليه، وصار ينهق الحمار عندما يُغرز في دبره مايُغرز.
صدّق الناس! فكانت هذه الذي ترونه من هذه النتائج سموها [جمهورية]
وقالوا: [الملكية] إنما هو نظام عفن!
و [الخلافة] بنظام الولاية للابن وللأخ نظام عفن!، نريدها جمهورية! نريدها ديمقراطية!.
فكانت هذه النتائج التي ترونها، والتي هي أمامكم، منصوبة بطائفة قليلة، تقبض كذبة على الحكم وكيف تطلقها؟ أغبيةٌ هي! أفقدت عقلها كما فقد مشايخنا عقولهم!
أتظنون أن الكلمات المعسولة والخطب الرنانة تُجدي في نفوس هذه الطوائف! حتى تصدق أنهم يحكمون في جمهورية! وأنهم ينتبهون إلى مايقوله الشعب! وأنهم ينتبهون أو يهتمون لماتقوله مجالس الشورى؟
مجانينهم! سنين طويلة وهم يعيشون الذل حتى وصلوا إلى مركز القيادة، فبكلمات معسولة يقولها أفّاقْ، أو بكلمات نفاقية يقولها شيخ! كيف , نفاقية , يقولها شيخ .. !
بالله عليكم .. [حافظ الأسد] وهو يعلم أصله، ويعلم دينه، ويعلم معتقده، لمّا يرى شيخًا مسلمًا أمامه يقول له: أنت ولي من أولياء الله!
لمّا يقال لحاكم مرتد يقال: لقد أوتيتَ رشدك كما أتى الله رشده لإبراهيم!
لمّا يقال هذا .. أتظنون عندما يقال للسارق أنت أطهر خلق الله! من أشد الناس احتقارًا لمن يقول له هذا القول! هو السارق!!
فهؤلاء يحتقرون هؤلاء، أتظنون لمثل هذه الكلمات يثبتون الحكم! ويطلقونه هكذا؟ لا والله.
وبعد ذلك مازالوا يمارسون إلى اليوم، إن الطريق للوصول إلى .. تخلّوا عن إقامة الخلافة، مشايخنا تخلوا، حركاتنا تخلت ..
الآن يريدون فقط إنهم يريدون إصلاح الحكم عن طريق صناديق الإقتراع، وعن طريق النصيحة، وعن طريق الحكمة، وإياك أن تقول الحكمة على منبر، أو أن تتحدث بها في مجلس غاص! لا ..
إنه حديث صحيح وبئس هذا الحديث! فوالله لا يصح عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيه كلمة (من أراد أن ينصح لذي سلطان فلا يبدي له علانية) !
كيف فتشوا عليه؟ كيف فاتتهم ملايين الأحاديث وآلاف الأخبار من تاريخنا في ضد هذا؟
فبحثوا حتى التقطوه! هو كالتقاط [المستشرقين] وأعداء الله من بطون الكتب، فوجدوه!
وهكذا رفعوه شعارًا، يضربون به وجوهكم! حتى لا تعلنوا استنكارا .. ولا تبدُ منكم كلمة حتى في مجالسكم، وإياك بعد ذلك، إياك أن تفكر في قلبك غلاً على كافر!
ألم يقل شيخهم:"هب أن الحاكم قد كفر! فلِمَ إيغار الصدور عليه!"
لا يريدون منك أن ترى، لا يريدون منك أن تسمع .. إن تكلمت عصيت الله! وخرجت على سلطان الله! ومن أراد أن يبدي له نصيحة، (من أراد أن ينصح لذي سلطان فلا يبدي له علانية! ولكن ليأخذ بيده!)
أي حديث هذا! إذا أردت أن تنصح لذي سلطان .. ! قال: أن تأخذ بيده! كأنه يتحدث عن ابنك! أن تأخذ بيده! فتسرّ له فإن أخذ كان بها .. وإلا فقد أديت الذي عليك، تحت قاعدة (قُل كلمتك وامشِ) .. أمةٌ مغيبة!
هذا لمن أراد ثم لمن وصل، وليأخذ بيده أن تأخذ الحاكم بيده وتسرّ له هكذا هو .. لا يريدون منك سماع! (لا تسمع)
وحرموا علينا فقه الواقع .. صار فقه الواقع يحتاج إلى أبحاث وردود ومعنى ذلك، أن لا تسمع وأن لا ترى -أي أخبار الكفار- فإذا سمعت رغم أنفك لا تتكلم! وإياك أن لا تتكلم وأنت في قلبك غصص وحقد!
لا .. فلِمَ إيغار الصدور عليه .. ! يجب عليك أن لا توغر صدرك بالحقد عليه! ولا بالغضب على أفعاله .. أي دين هذا؟
وتريدون بعد ذلك أن يكون لأهل السنة شأن! وتريدون لأهل دين الله عز وجل الذين ينتسبون للسنة والحديث والأثر والسلفية، أن يكون لهم كلمة في عالم هذا اليوم؟
ياقوم .. نحن أمةٌ كرمل الحصى .. لكنه نمل برشة واحدة، لا .. بل ببصقة واحدة يموت الملايين .. هذا هو حالنا هذا هو شأننا هذا هو أمرنا والموعد الله.
اللهم اغفر لنا وارحمنا وتب علينا واصلحنا ووفقنا لما تحب وترضى، اللهم أحينا مسلمين وأمتنا مؤمنين وألحقنا بالصالحين، اللهم ارزقنا الشهادة في سبيلك اللهم ارزقنا الشهادة في سبيلك، اللهم انصر المجاهدين في الشيشان
(1) العنكبوت: 43
(2) البقرة: 30