إن الحمدلله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلله فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله وصفيُّه وخليله، بلَّغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين، وتركنا رسول الله ? على المحجَّة البيضاء والطريق الواضح ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك ولا يتنكَّبُها إلا ضال، أما بعد:
من يُطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصِ الله ورسوله فقد ضلَّ ضلالًا بعيدًا.
أيها الأحبة عرفنا شيئًا فيما تقدَّم عن أساليب اليهود وعن طرقهم، وإن من أعظم طرقهم هو أنهم يقاتلون بجنود غيرهم؛ لقلة عددهم ولضعف شأنهم ولأن الله -عز وجل- كتب عليهم الذِّلة فهي متلبِّسة بهم وهم متلبِّسون بها صَغَارًا وذِلّة فلا ينشطون إلى قتال أعدائهم. وقد كان من شأنهم مع الأعداء ما كان مما ذكره القرآن الكريم وخبَّره لنا، فإذن هم يقاتلون في أرض غيرهم وبرجال غيرهم، ولكنهم يَجنون هم المرابح ويجنون هم النتائج، فحبل الناس من غيرهم وقوتهم من غيرهم، لسببين كما قلنا:
-السبب الأول: هو لأنهم القِلة، وضرب عليهم الله -عز وجل- الذلة والمسكنة.
-والسبب الآخر: بسبب اعتقادهم؛ يرون أن البشر بهائم، فكيف يقدِّم السيد نفسه ذبيحة أو قربانًا وهو يستطيع أن يقدم (أمتاه) أي يقدم عبده.
ثم قلنا أن لهم نَبوءات، ما هي النبوءات؟ هي تلك الإخباريات القادمة التي كتبها أحبارهم في التوراة المحرَّفة، وإن وُجد بعض النبوءات الصحيحة التي بقيت عالقة في أذهان الكَتَبة الذين كتبوا التوراة بعد أن ضاعت أو بعد أن أُخفيت، فبقي شيء من النبوءات الصادقة، ولكن أغلب النبوءات -أي الإخباريات- الواردة في التوراة للزمن القادم تدور على تعظيم شأنهم وعلى تعظيم ما سيقع معهم، فإن من أعظم نبوءاتهم هو ظهور المَلِك؛ ملكهم النبي، وكانوا يظنون أنه سيظهر في وقت رسول الله ? فلما جاء النبي العربي من غير سلالة إسرائيل ومن غير سلالة إسحاق، وإسرائيل هو يعقوب -عليه السلام-، رفضوا هذا العربي، حسدوه من عند أنفسهم، حسدوا أن يكون النبي في غيرهم. هذه من أعظم نبوءاتهم التي يؤمنون بها أنه لا بد أن يأتي الملك يسيطر على العالم ويوسِّد لهم المُلك الحقيقي، كذلك من نبوءاتهم كما ذكرت سابقًا العودة إلى أرض الميعاد، وقد ذكرنا سبب هذه التسمية، ومن نبوءاتهم كما ذكرت تدمير مصر، ومن نبوءاتهم كذلك تدمير (صور) مدينة لبنان.