إن الحمدلله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلله فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله وصفيُّه وخليله، بلَّغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين، وتركنا رسول الله ? على المحجَّة البيضاء والطريق الواضح ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، ولا يتنكَّبُها إلا ضال، أما بعد:
من يُطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصِ الله ورسوله فقد ضلَّ ضلالًا بعيدًا.
أيها الإخوة الأحبة تقدَّم القول في الأسبوع الفائت الحديث عن أعظم الناس إفسادًا في الأرض، وعن أكثر الناس عِداءً لأهل الحق والدين، لأهل الإسلام؛ ألا وهم اليهود.
وأريد أن أنبه إلى نقطة جليلة في دين الله -سبحانه وتعالى- وهي أن الإنسان يتأثر من بيئته، ويتأثر من الجو المحيط به، ويتأثر من طعامه من نوع الطعام الذي يأكله؛ فالإنسان الجَبَليّ ليس كالإنسان الصحراوي، وليس هو كالإنسان الزراعي، إن مهنته وبيئته تؤثر عليه، وإن نوع طعامه يؤثر على نفسيته، ولذلك كان من الحِكم التي ذكرها أئمتنا قديمًا ثم ثبت صحتها حديثًا أن آكل لحم الخنزير له نفسية خاصة تتلاءم مع ما أكل، وإن الإنسان ليتأثر من بيئته، ولكن هذا التأثير تأثير ثانوي. إن الإنسان ينطلق في حركة حياته وينطلق في سلوكه وينطلق في أحكامه من خلال عقيدته، العقيدة التي يؤمن بها، الأفكار التي تسيطر عليه ويتبناها ويؤمن بها هي التي تحكم أساس السلوك، عقيدة المرء هي التي تحكم أساس سلوكه، ما دام به من علوم ومفاهيم هي التي تحدِّد كيف يتحرك.
ولذلك من الخطأ العظيم الحكم على الإنسان من خلال البيئة الجغرافية التي يعيش فيها أو الطعام الذي يأكله من غير النظر إلى الدين الذي يخضع له، ما هي المفاهيم التي يخضع لها؟ أي يدين بها، ولذلك المحاولات الخبيثة التي تسير هنا وهناك لإسقاط قيمة الدين التي يتحرك به الإنسان، أي إنسان ومن أي دين وفي أي دين، هي محاولات لدراسة الأمر دراسة مغلوطة. حين ننظر إلى قوم كيف تحركوا؟ كيف عملوا؟ لماذا أحسنوا هنا، لماذا أساؤوا هنا؟ لماذا قتلوا هنا؟ ولماذا أنفقوا وأعطوا هنا؟ ينبغي أن ننظر إلى دينهم؛ أي المفاهيم التي تبنَّوها وأخضعوا حركة حياتهم لها، الدين هو الذي يحدد حركة الإنسان، وبالتالي هو المنار، المنار أي العلَّاقة التي تُعلَّق عليها الأحكام.