والصلاح قد غابت عن أذهاننا كصور حية تعيش وتأكل وتشرب وتغضب وترضى، وربما فسدت هذه المعاني بسبب ما دخل عليها من تشويهات أهل البدع وقصص الخرافيين.
هذا الرجل أتصوره صارخاً بهذه الكلمات، متحدياً باطل قومه، نعم هو لم يسب آلهتهم بهذه الكلمات، لكنها والله تحمل كل معنى البراءة منها، ومضمخة بكل معنى النفور والاستعلاء عليها، بل وتحمل كل معنى التصغير لعابديها.
فانظر إلى قوله لقومه: {آمنت بربكم} ! فما أنتم إلا عبيد لله تعالى فهو الذي خلقكم وهو الذي صوركم وهو الذي يرزقكم، وهو صاحب الأمر فيكم، يحييكم ويميتكم، فأنا آمنت بربكم يا من أنتم عبيد له.
- {فاسمعون} ...
هي والله صرخة لا تلجلج فيها ولا خفاء، ولا زمزمة ولا التواء، بل هي قذيفة حق نحو وجوههم لعلها ترجعهم عن باطلهم وغيهم.
هي والله كلمة تحدٍ لهم، فلم يرد إخبارهم فقط، ولا إعلامهم فحسب، بل يريد أن يوجعهم بها {فاسمعون} ! فإن سماع الحق لأهل الباطل موجع مؤلم ولا شك.
وأنا كما ترى أعتقد أن خطابه هذا {إني آمنت بربكم فاسمعون} هو ضمن السياق السابق في خطابه مع قومه، ولا ضرورة لجعله التفاتاً ليكون حديثاً مع المرسلين، فإن هذا الالتفات عندي لا ضرورة له، وليس له ما يشهد له، وأما جعل كلمة {بربكم} سبباً ليكون الخطاب للرسل فليس بشيء، فإن الله رب العالمين، مؤمنهم وكافرهم، فهو الذي خلقهم وهو رازقهم وهو يحييهم وهو مميتهم، فهم مربوبون له تحت حكمه الكوني القدري شاؤوا أم أبوا.
وبكلمته هذه تجاوز الرجل عند أتباع الشياطين حدوده، فقد صغرهم، وحقر آلهتهم، وقذف الكلمات الحرى في وجوههم فلم يشعروا إلا أنهم قتلوه، وكذا مر الحدث سريعاً لشدة الغضب، وكذا غاب الخبر وكأنه شيء لا ضرورة للحديث عنه لأنه لن يقع سواه، ولن تتصور النفوس غيره وهي تسمع هذه القصة الرائعة، فكان هذا الانتقال الجميل الرائع الممتع إلى مكان آخر ليكون فاصلاً بين مشاهد هذه الدنيا من خبر أهل قريته مع الرسل ومعه، وما حدث لهم بعد ذلك في قوله: {إن كانت إلا صيحة واحدة} ، فكان أن {قيل ادخل الجنة} .
ماذا أقول في هذه الكلمات الجوامع؟