فهرس الكتاب

الصفحة 533 من 545

برامجها بالقرآن الكريم، ثمّ ما هي إلا لحظات حتّى يبدأ وحش المعصية يهجم على الآذان والأعين، والناس في هذا المقام لا يرون في القرآن العظيم إلا برنامجاً يعادل ما يبث بعده، ولا يقع في قلوبهم شيء من عظمته وعزّته وكماله، فهم لا يفرّقون بين أن يضعوا شريطاً للغناء الخبيث أو يضعوا شريطاً للقرآن يتلوه مطرب لهم يميلهم كما تميلهم النشوة المحرّمة، وهذا كلّه لتسقط حرمة القرآن من قلوب الناس فلا يتّعظون بمواعظه ولا يقفون عند حرامه وحلاله، ولا يهتدون بهدايته، بل كلّ شأنهم معه هو شأن استماعهم لأيّ كلامٍ مطربٍ جميل، وقد حدّثني بعض الإخوة أنّه يعلم ناساً إذا أخذوا في شرب وتدخين الحشيشة وضعوا للسماع بعض أصوات القارئين المشهورين ليأخذهم الطرب والنشوة، بل إنّ بعض القارئين أنفسهم لا يتورّع أن يتعاطى الحشيش قبل قراءته ليزداد إطرابه لسامعيه، فحسبنا الله ونعم الوكيل.

وهذه اللذة التي تحصل في قلوبهم ليست هي تلك اللذة الحاصلة لأهل الإيمان حين يسمعوا له فتخبت له قلوبهم ثمّ تلين قلوبهم وجلودهم لذكره، خشية مما فيه، ويزدادون قرباً من مولاهم جلّ في علاه.

إذاً هذا الصنف يُمنعون من استماع التدبّر والاتّعاظ والعبرة والفهم والذي يؤدّي إلى الانقياد لأوامره والابتعاد عن نواهيه لأنّهم يلغون فيه.

-الصنف الثالث: {إنّ الذين يلحدوهن في آياتنا لا يخفون علينا أفمن يُلقى في النار خير أمّن يأتي آمناً يوم القيامة إعملوا ما شئتم إنه بما تعملون بصير * إن الذين كفروا بالذكر لما جاءهم وإنّه لكتاب عزيز} .

وهذا صنف آخر من أعداء الذكر الربّاني العظيم، هم أشدّ وأعتى، اطمأنّت نفوسهم على ما في قلوبهم من كفرٍ عاتٍ متجذّر، وعلموا أن هذا الكفر صار مختلطاً بمشاشات القلوب، فلن يُنتزع منهم حتّى لو حاول أولوا العزم والقوّة، فالكفر ثابت في قلوبهم ثباتاً لا يخاف عليه من سماع القرآن ولا من الجلوس مع تاليه وقارئه.

هذا الصنف يملك عقلاً إبليسيّاً خبيثاً، قرّر بكلّ صرامة أن يحاور القرآن حتّى يحمله على غير محمله، فهو سيلحد فيه، والإلحاد هو الإمالة، أي إنّه امرؤٌ يتستّر بظاهر جميل، وله باطن خبيث، ولذلك ذكر الربّ جلّ في علاه أمر علمه بهذا الصنف، وهذا يدلّ على تخفّيه وتستّره فقال سبحانه: {لا يخفون علينا} .

وهذا الصنف - والله أعلم - هم الزنادقة، وهم قوم زعموا في الظاهر أنّهم يريدون أن يعرفوا ماذا يقول الله في هذا الكتاب، وقالوا: هلمّ لنسمع له ونرى ما فيه وأي شيء يقول،

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت