واستدل أصحاب هذا القول بما يأتي [1] :
1 -قوله تعالى: {وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ} (النساء: 6) . قالوا: لو جاز التزويج قبل البلوغ لم يكن لهذا التحديد فائدة.
2 -لأن ثبوت الولاية على الصغيرة لحاجة المولى عليه حتى إن كان فيما لا تتحقق فيه الحاجة لا تثبت الولاية كالتبرعات ولا حاجة بها إلى النكاح؛ لأن مقصود النكاح طبعا هو قضاء الشهوة وشرعا النسل والصغر ينافيهما.
3 -أن هذا العقد يعقد للعمر وتلزمهما أحكامه بعد البلوغ فلا يكون لأحد أن يلزمهما ذلك؛ إذ لا ولاية لأحد عليهما بعد البلوغ.
واعتبروا قصة عائشة رضي الله عنها خاصة برسول الله - صلى الله عليه وسلم -. قال ابن حزم: قال ابن شبرمة: لا يجوز إنكاح الأب ابنته الصغيرة حتى تبلغ وتأذن ورأى أمر عائشة رضي الله عنها خصوصا للنبي - صلى الله عليه وسلم - كالموهوبة ونكاح أكثر من أربع) [2] .
وقال ابن حجر: (قال المهلب أجمعوا أنه يجوز للأب تزويج ابنته الصغيرة البكر ولو كانت لا يوطأ مثلها إلا أن الطحاوي حكى عن ابن شبرمة منعه فيمن لا توطأ، وحكى ابن حزم عن ابن شبرمة مطلقا أن الأب لا يزوج بنته البكر الصغيرة حتى تبلغ وتأذن وزعم أن تزويج النبي - صلى الله عليه وسلم - عائشة رضي الله عنها وهي بنت ست سنين كان من خصائصه) [3] .
الترجيح: الراجح هو قول الجمهور للأدلة التي ذكروها وأما القول الثاني فهو قول شاذ لا يلتفت إليه لمخالفته الإجماع [4] . قال ابن بطال: (وأظن البخاري أراد بهذا الباب الرد على ابن شبرمة؛ فإن الطحاوي حكى عنه أنه قال: تزويج الآباء على الصغار لا يجوز، ولهن الخيار إذا بلغن، وهذا قول لم يقل به أحد من
(1) المبسوط للسرخسي 4/ 212.
(2) مختصر اختلاف العلماء للجصاص 2/ 257، المحلى 9/ 459.
(3) فتح الباري 9/ 190، وانظر: عمدة القاري 20/ 126.
(4) أحكام القرآن للجصاص 2/ 346.