فهرس الكتاب
"من قال إن محمدًا - رحمه الله- صنف كتابًا في الحيل فلا تصدقه، وما في أيدي الناس فإنما جمعه وراقو بغداد" [1] .
وقد قيل: إن الذي يظهر في هذا الموضوع: أن بعض علماء الحنفية هم أول من تكلم بالحيل [2] ، ولكن في البدايات لم يكن فيها التوسع الذي عرف لدى المتأخرين [3] ، مع العلم أن الحنفية كانوا يستعملون الحيل على أنها مخارج من الضيق والحرج بوجه شرعي لا أكثر [4] .
لم تظهر الحيل بمفهومها - الآنف الذكر - والَّذي يقضي قلب الأحكام الشرعية وتغييرها في الظاهر إلى حكم آخر بتقديم عمل ظاهر الجواز لا في عصر النبوة ولا في عصر الصحابة من بعده وليس أدل على ذلك من قوله عليه الصلاة والسلام: (( لا يجمع بين متفرق ولا يفرق بين مجتمع خشية الصدقة ) )) [5] ، وهذا نص قاطع في منع الاحتيال لإسقاط الزكاة بالكلية أو تنقيصها.
أما الصحابة - رضي الله عنهم - فقد أجمعوا على ترك الحيل وبطلانها ومن ذلك ما روي أن عمر - رضي الله عنه - قال:"لا أوتي بمحلل ولا محلل له إلا رجمتهما" [6] ، كما أفتى عثمان وعلي وابن عباس وابن عمر - رضي الله عنهم: أن المرأة لا تحل بنكاح التحليل، كما نهى غير
(1) السرخسي , محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الدين , المبسوط ,دار الكتب العلمية ,بيروت: (ص: 93) .
(2) محمد بن عفيف الباجوري الخضري، تاريخ التشريع الإسلامي, دار المعرفة, بيروت, ط 6, (ص: 280) .
(3) محمد إبراهيم، الحيل الفقهية في المعاملات المالية، دار السلام للطباعة والنشر، القاهرة، ط 1 - 2009 م، (29) .
(4) أبو زهره، محمد، الإمام أبو حنيفة حياته وعصره - آراؤه وفقهه، دار الفكر العربي للنشر، ط 2، (ص: 427 - 428 (.
(5) البخاري , الصحيح ,كتاب الزكاة , باب لا يجمع بين متفرق ولا يفرق بين مجتمع , رقم (1382) .
(6) (البيهقي ,أبو بكر ,أحمد بن الحسين بن علي بن موسى ,سنن البيهقي الكبرى, تحقيق محمد عبد القادر عطا الله ,مكتبة دار الباز, مكة المكرمة,1994 م,(7/ 208) .