فهرس الكتاب
واحد من أعيان الصحابة - رضي الله عنهم - كأُبي بن كعب، وابن مسعود, وعبد الله بن سلام، وابن عمر، وابن عباس نهوا المقرض عن قبول هدية المقترض وجعلوا قبولها ربا، ومع هذا فلم يحفظ عن أحد منهم الإنكار و لا إباحة الحيل مع تباعد الأوقات وزوال أسباب السكوت [1] .وهنا لم يحفظ عن أحد منهم أنه أفتى بتحريم الحيل إلا بالحكم العملي وليس اللفظي، ولم ينكرو على همر رجمه للمحلل فدل على موافقتهم له ونبذهم للحيل.
ما منعه الصحابة من الحيل هي الحيل غير الشرعية المتفق على حرمتها عند العلماء أجمع، فلم يخرج القائلون بجواز الحيل عن النص، ولا إجماع الصحابة على حرمة هذه الأنواع من الحيل التي تضيع الحقوق، و تخالف النصوص.
إذًا: حدّد ابن تيمية أول استخدام للحيل بقوله:"هذه الحيل من الأمور المحدثة ومن البدع الطارئة أما الإفتاء بها، وتعليمها للناس، وإنفاذها في الحكم، واعتقاد جوازها؛ فأول ما حدث في الإسلام في أواخر عصر صغار التابعين بعد المائة الأولى بسنين كثيرة وليس فيها حيلة واحدة تؤثر عن أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بل المستفيض عن الصحابة أنهم كانوا إذا سئلوا عن فعل شيء من ذلك أعظموه وزجروا عنه" [2] , فهذا يدل على أن الحيل جرى العمل بها بعد عصر التابعين , وأما ما عمل به الصحابة في الحرب كحفر الخندق عندما أشار سلمان الفارسي على النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة الخندق , وصور غيرها كقول أبي بكر عن النبي:"هذا هاديني السبيل"كما سيمر معنا , فهذه ليست من صور الحيل التي عناها ابن تيمية في قوله السابق , ولكن تدل على أن الرسول وصحابته عملوا
(1) ابن القيم، إعلام الموقعين، (3/ 173 (.
(2) ابن تيمية، الفتاوى الكبرى، قدم له حسنين محمد مخلوف, دار المعرفة ,بيروت, ط 1 (3/ 164 (.