فهرس الكتاب

الصفحة 105 من 306

ذلك النور فلم ير قبحه في ظلمات الجهل والفسوق والظلم ومع هذا فحجة الله قائمة عليه بالرسالة وبالتعريف الأول فتزيين الرب تعالى عدل وعقوبته حكمة وتزيين الشيطان إغواء وظلم وهو السبب الخارج عن العبد والسبب الداخل فيه حبه وبغضه وإعراضه والرب سبحانه خالق الجميع والجميع واقع بمشيئته وقدرته ولو شاء لهدى خلقه أجمعين والمعصوم من عصمه الله والمخذول من خذله الله ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين

وأما عدم مشيئته سبحانه وإرادته فكما قال تعالى أولئك الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم وقال ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا وعدم مشيئته للشيء مستلزم لعدم وجوده كما أن مشيئته تستلزم وجوده فما شاء الله وجب وجوده وما لم يشأ امتنع وجوده وقد أخبر سبحانه أن العباد لا يشاؤن إلا بعد مشيئته ولا يفعلون شيئا إلا بعد مشيئته فقال وما تشاؤن إلا أن يشاء الله وقال وما يذكرون إلا أن يشاء الله فإن قيل فهل يكون الفعل مقدورا للعبد في حال عدم مشيئة الله له أن يفعله قيل إن أريد بكونه مقدورا سلامة آلة العبد التي يتمكن بها من الفعل وصحة أعضائه ووجوده قواه وتمكينه من أسباب الفعل وتهيئة طريق فعله وفتح الطريق له فنعم هو مقدور بهذا الاعتبار وأن أريد بكونه مقدورا القدرة المقارنة للفعل وهي الموجبة له التي إذا وجدت لم يتخلف عنها الفعل فليس بمقدور بهذا الاعتبار وتقرير ذلك أن القدرة نوعان قدرة مصححة وهي قدرة الأسباب والشروط وسلامة الآله وهي مناط التكليف وهذه متقدمة على الفعل غير موجبة له وقدرة مقارنة للفعل مستلزمة له لا يتخلف الفعل عنها وهذه ليست شرطا في التكليف فلا يتوقف صحته وحسنه عليها فايمان من لم يشأ الله إيمانه وطاعة من لم يشأ طاعته مقدور بالاعتبار الأول غير مقدور بالاعتبار الثاني وبهذا التحقيق تزول الشبهة في تكليف ما لا يطاق كما يأتي بيانه في موضعه إن شاء الله تعالى فإذا قيل هل خلق لمن علم أنه لا يؤمن قدرة على الإيمان أم لم يخلق له قدرة قيل خلق له قدرة ومصححه متقدمة على الفعل هي مناط الأمر والنهي ولم يخلق له قدرة موجبة للفعل مستلزمة له لا يتخلف عنها فهذه فضله يؤتيه من يشاء وتلك عدلة التي تقوم بها حجته على عبده فإن قيل فهل يمكنه الفعل ولم يخلق له هذه القدرة قيل هذا هو السؤال السابق بعينه وقد عرفت جوابه وبالله التوفيق

فصل وأما أماتة قلوبهم ففي قوله إنك لا تسمع الموتى وقوله أومن كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها وقوله لينذر من كان حيا وقوله وما أنت بمسمع من في القبور فوصف الكافر بأنه ميت وأنه بمنزلة أصحاب القبور وذلك أن القلب الحي هو الذي يعرف الحق ويقبله ويحبه ويؤثره على غيره فإذا مات القلب لم يبق فيه إحساس ولا تمييز بين الحق والباطل ولا إرادة للحق وكراهة للباطل بمنزلة الجسد الميت الذي لا يحس بلذة الطعام والشراب وألم فقدهما وكذلك وصف سبحانه كتابه ووحيه بأنه روح لحصول حياة القلب به فيكون القلب حيا ويزداد حياة بروح الوحي فيحصل له حياة على حياة ونور على نور نور الوحي على نور الفطرة قال يلقي الروح من أمره على من يشاء من عباده وقال وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا فجعله روحا لما يحصل

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت