المتضمن للصنع العجيب الخارج عن العادة كيف تجده كالدليل على ما أخبر به وأنه لا يستعصي على الفاعل حقيقة أي شأننا الفعل كما لا يخفى الجهر والاسرار بالقول على من شأنه العلم والخبرة ولا تصعب المغفرة على من شأنه أن يغفر الذنوب ولا الرزق على من شأنه أن يرزق العباد وقد وقع الزجاج على هذا المعنى بعينه فقال وكنا فاعلين قادرين على فعل ما نشاء الباب الثامن عشر في فعل وافعل في القضاء والقدر والكسب وذكر الفعل والانفعال
ينبغي الاعتناء بكشف هذا الباب وتحقيق معناه فبذلك ينحل عن العبد أنواع من ضلالات القدرية والجبرية حيث لم يعطوا هذا الباب حقه من العرفان
أعلم أن الرب سبحانه فاعل غير منفعل والعبد فاعل منفعل وهو في فاعليته منفعل للفاعل الذي لا ينفعل بوجه فالجبرية شهدت كونه منفعلا يجري عليه الحكم بمنزلة الآلة والمحل وجعلوا حركته بمنزلة حركات الأشجار ولم يجعلوه فاعلا إلا على سبيل المجاز فقام وقعد وأكل وشرب وصلى وصام عندهم بمنزلة مرض وألم ومات ونحو ذلك مما هو فيه منفعل محض والقدرية شهدت كونه فاعلا فمضا غير منفعل في فعله وكل من الطائفتين نظر بعين عوراء وأهل العلم والاعتدال أعطوا كلا المقامين حقه ولم يبطلوا أحد الأمرين بالآخر فاستقام لهم نظرهم ومناظرتهم واستقر عندهم الشرع والقدر في نصابه ومهدوا وقوع الثواب والعقاب على من هو أولى به فأثبتوا نطق العبد حقيقة وانطاق الله له حقيقة قال تعالى وقالوا لجلودهم لم شهدتم علينا قالوا أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء فالإنطاق فعل الله الذي لا يجوز تعطيله والنطق فعل العبد الذي لا يمكن إنكاره كما قال تعالى فورب السماء والأرض أنه لحق مثل ما أنكم تنطقون فعلم أن كونهم ينطقون هو أمر حقيقي حتى شبه به في تحقيق كون ما أخبر به وأن هذا حقيقة لا مجاز ومن جعل إضافة نطق العبد إليه مجازا لم يكن ناطقا عنده حقيقه فلا يكون التشبيه بنطقه محققا لما أخبر به فتأمله ونظير هذا قوله تعالى وأنه هو أضحك وأبكى فهو المضحك المبكي حقيقة والعبد الضاحك الباكي حقيقة كما قال تعالى فليضحكوا قليلا وليبكوا كثيرا وقال أفمن هذا الحديث تعجبون وتضحكون ولا تبكون فلولا المنطق الذي أنطق والمضحك المبكي الذي أضحك وأبكى لم يوجد ناطق ولا ضاحك ولا باك فإذا أحب عبدا أنطقه بما يحب وأثابه عليه وإذا أبغضه أنطقه بما يكرهه فعاقبه عليه وهو الذي أنطق هذا وهذا وأجرى ما يحب على لسان هذا وما يكره على لسان هذا كما أنه أجرى على قلب هذا ما أضحكه وعلى قلب هذا ما أبكاه وكذلك قوله تعالى هو الذي يسيركم في البر والبحر وقوله قل سيروا في الأرض فالتسيير فعله حقيقة والسير فعل العبد حقيقة فالتسيير فعل محض والسير فعل وانفعال ومن هذا قوله تعالى فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها فهو سبحانه المزوج ورسوله المتزوج وكذلك قوله وزوجناهم بحور عين فهو المزوج وهم المتزوجون وقد جمع سبحانه بين الأمرين في قوله فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم فالإزاغة فعله والزيغ فعلهم فإن قيل أنتم قررتم أنه لم يقع منهم الفعل إلا بعد فعله وأنه لولا إنطاقه لهم وإضحاكه وإبكاؤه لما نطقوا ولا ضحكوا ولا بكوا وقد دلت هذا الآية على أن فعله بعد فعلهم وأنه أزاغ قلوبهم بعد أن