فهرس الكتاب

الصفحة 135 من 306

المتضمن للصنع العجيب الخارج عن العادة كيف تجده كالدليل على ما أخبر به وأنه لا يستعصي على الفاعل حقيقة أي شأننا الفعل كما لا يخفى الجهر والاسرار بالقول على من شأنه العلم والخبرة ولا تصعب المغفرة على من شأنه أن يغفر الذنوب ولا الرزق على من شأنه أن يرزق العباد وقد وقع الزجاج على هذا المعنى بعينه فقال وكنا فاعلين قادرين على فعل ما نشاء الباب الثامن عشر في فعل وافعل في القضاء والقدر والكسب وذكر الفعل والانفعال

ينبغي الاعتناء بكشف هذا الباب وتحقيق معناه فبذلك ينحل عن العبد أنواع من ضلالات القدرية والجبرية حيث لم يعطوا هذا الباب حقه من العرفان

أعلم أن الرب سبحانه فاعل غير منفعل والعبد فاعل منفعل وهو في فاعليته منفعل للفاعل الذي لا ينفعل بوجه فالجبرية شهدت كونه منفعلا يجري عليه الحكم بمنزلة الآلة والمحل وجعلوا حركته بمنزلة حركات الأشجار ولم يجعلوه فاعلا إلا على سبيل المجاز فقام وقعد وأكل وشرب وصلى وصام عندهم بمنزلة مرض وألم ومات ونحو ذلك مما هو فيه منفعل محض والقدرية شهدت كونه فاعلا فمضا غير منفعل في فعله وكل من الطائفتين نظر بعين عوراء وأهل العلم والاعتدال أعطوا كلا المقامين حقه ولم يبطلوا أحد الأمرين بالآخر فاستقام لهم نظرهم ومناظرتهم واستقر عندهم الشرع والقدر في نصابه ومهدوا وقوع الثواب والعقاب على من هو أولى به فأثبتوا نطق العبد حقيقة وانطاق الله له حقيقة قال تعالى وقالوا لجلودهم لم شهدتم علينا قالوا أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء فالإنطاق فعل الله الذي لا يجوز تعطيله والنطق فعل العبد الذي لا يمكن إنكاره كما قال تعالى فورب السماء والأرض أنه لحق مثل ما أنكم تنطقون فعلم أن كونهم ينطقون هو أمر حقيقي حتى شبه به في تحقيق كون ما أخبر به وأن هذا حقيقة لا مجاز ومن جعل إضافة نطق العبد إليه مجازا لم يكن ناطقا عنده حقيقه فلا يكون التشبيه بنطقه محققا لما أخبر به فتأمله ونظير هذا قوله تعالى وأنه هو أضحك وأبكى فهو المضحك المبكي حقيقة والعبد الضاحك الباكي حقيقة كما قال تعالى فليضحكوا قليلا وليبكوا كثيرا وقال أفمن هذا الحديث تعجبون وتضحكون ولا تبكون فلولا المنطق الذي أنطق والمضحك المبكي الذي أضحك وأبكى لم يوجد ناطق ولا ضاحك ولا باك فإذا أحب عبدا أنطقه بما يحب وأثابه عليه وإذا أبغضه أنطقه بما يكرهه فعاقبه عليه وهو الذي أنطق هذا وهذا وأجرى ما يحب على لسان هذا وما يكره على لسان هذا كما أنه أجرى على قلب هذا ما أضحكه وعلى قلب هذا ما أبكاه وكذلك قوله تعالى هو الذي يسيركم في البر والبحر وقوله قل سيروا في الأرض فالتسيير فعله حقيقة والسير فعل العبد حقيقة فالتسيير فعل محض والسير فعل وانفعال ومن هذا قوله تعالى فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها فهو سبحانه المزوج ورسوله المتزوج وكذلك قوله وزوجناهم بحور عين فهو المزوج وهم المتزوجون وقد جمع سبحانه بين الأمرين في قوله فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم فالإزاغة فعله والزيغ فعلهم فإن قيل أنتم قررتم أنه لم يقع منهم الفعل إلا بعد فعله وأنه لولا إنطاقه لهم وإضحاكه وإبكاؤه لما نطقوا ولا ضحكوا ولا بكوا وقد دلت هذا الآية على أن فعله بعد فعلهم وأنه أزاغ قلوبهم بعد أن

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت