حديث سعد بن أبي وقاص عن النبي صلى الله عليه و سلم من سعادة ابن آدم استخارته الله تعالى ومن سعادة ابن آدم رضاه بما قضاه الله ومن شقوة ابن آدم تركة استخاره الله عز و جل ومن شقوة ابن آدم سخطه بما قضى الله فالمقدور يكتنفه أمران الاستخارة قبله والرضا بعده فمن توفيق الله لعبده واسعاده إياه أن يختار قبل وقوعه ويرضى بعد وقوعه ومن خذلانه له أن لا يستخيره قبل وقوعه ولا يرضى به بعد وقوعه وقال عمر بن الخطاب لا أبالي أصبحت على ما أحب أو على ما أكره لأني لا أدري الخير فيما أحب او فيما أكره وقال الحسن لا تكرهوا النقمات الواقعة والبلايا الحادثة فلرب أمر تكرهه فيه نجاتك ولرب أمر تؤثره فيه عطبك فصل
ومما يناسب هذا قوله تعالى لقد صدق الله ورسوله الرؤيا بالحق لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله أمنين محلقين رؤسكم ومقصرين لا تخافون فعلم ما لم تعلموا فجعل من دون ذلك فتحا قريبا بين سبحانه حكمة ما كرهوه عام الحديبية من صد المشركين لهم حتى رجعوا ولم يعتمروا وبين لهم أن مطلوبهم يحصل بعد هذا فحصل في العام القابل وقال سبحانه فعلم ما لم تعلموا فجعل من دون ذلك فتحا قريبا وهو صلح الحديبية وهو أول الفتح المذكور في قوله إنا فتحنا لك فتحا مبينا فإن بسببه حصل من مصالح الدين والدنيا والنصر وظهور الإسلام وبطلان الكفر ما لم يكونوا يرجونه قبل ذلك ودخل الناس بعضهم في بعض وتكلم المسلمون بكلمة الإسلام وبراهينه وأدلته جهرة لا يخافون ودخل في ذلك الوقت في الإسلام قريب ممن دخل فيه إلى ذلك الوقت وظهر لكل أحد بغى المشركين وعداوتهم وعنادهم وعلم الخاص والعام أن محمدا وأصحابه أولى الحق والهدى وأن أعدائهم ليس بأيديهم الا العداوان والعناد فإن البيت الحرام لم يصد عنه حاج ولا معتمر من زمن إبراهيم فتحققت العرب عناد قريش وعداوتهم وكان ذلك داعية لبشر كثير إلى الإسلام وزاد عناد القوم وطغيانهم وذلك من أكبر العون على نفوسهم وزاد صبر المؤمنين واحتمالهم والتزامهم لحكم الله وطاعة رسوله وذلك من أعظم أسباب نصرهم إلى غير ذلك من الأمور التي علمها الله ولم يعلمها الصحابة ولهذا سماه فتحا وسئل النبي صلى الله عليه و سلم أفتح هو قال نعم فصل ويشبه هذا قول يوسف الصديق يا أبتي هذا تأويل رؤياي من قبل قد جعلها ربي حقا وقد أحسن بي إذ أخرجني من السجن وجاءبكم من البدو من بعد أن نزغ الشيطان بيني وبين إخوتي إن ربي لطيف لما يشاء إنه هو العليم الحكيم فأخبر أنه يلطف لما يريده فيأتي به بطرق خفية لا يعلمها الناس واسمه اللطيف يتضمن علمه بالأشياء الدقيقة وإيصاله الرحمة بالطرق الخفية ومنه التلطف كما قال أهل الكهف وليتلطف ولا يشعرن بكم أحدا فكان ظاهر ما امتحن به يوسف من مفارقة أبيه والقائه في السجن وبيعه رقيقا ثم مراودة التي هو في بيتها عن نفسه وكذبها عليه وسجنه محنا ومصائب وباطنها نعما وفتحا جعلها الله سببا لسعادته في الدنيا والآخرة
ومن هذا الباب ما يبتلي به عباده من المصائب ويأمرهم به من المكاره وينهاهم عنه من الشهوات هي طرق يوصلهم بها إلى سعادتهم في العاجل والآجل وقد حفت الجنة بالمكاره وحفت النار بالشهوات وقد قال صلى الله عليه و سلم لا يقضي الله للمؤمن قضاء إلا كان خير له إن أصابته سراء شكر فكان خير إله وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له وليس ذلك إلا للمؤمن فالقضاء كله خير لمن أعطى الشكر والصبر جالبا ما جلب