فهرس الكتاب

الصفحة 50 من 306

لم يحق عليهم القول بأعماله الأولى حيث عمل ما يقتضي ثبوت الحق عليه ولكن لم يحكم به أحكم الحاكمين ولم يمض الحكم فإذا عمل بعد ذلك ما يقرر غضب الرب عليه أمضى حكمه عليه وأنفذه قال تعالى فلما آسفونا انتقمنا منهم وقد كانوا قبل ذلك أغضبوه بمعصية رسوله ولكن لم يكن غضبه سبحانه قد استقر واستحكم عليهم إذ كان بصدد أن يزول بإيمانهم فلما أيس من إيمانهم تقرر الغضب واستحكم فحلت العقوبة فهذا الموضع من أسرار القرآن وأسرار التقدير الإلهي وفكر العبد فيه من أنفع الأمور له فإنه لا يدري أي المعاصي هي الموجبة التي يتحتم عندها عقوبته فلا يقال بعدها والله المستعان وسنعقد لهذا الفصل بابا في الفرق بين القضاء الكوني والديني نشبع الكلام فيه إن شاء الله لشده الحاجة إليه إذ المقصود في هذا الباب مشيئة الرب وأنها الموجبة لكل موجود كما أن عدم مشيئته موجب لعدم وجود الشيء فهما الموجبتان ما شاء الله وجب وجوده وما لم يشأ وجب عدمه وامتناعه وهذا أمر يعم كل مقدور من الأعيان والأفعال والحركات والسكنات فسبحانه أن يكون في مملكته ما لا يشاء أو أن يشاء شيئا فلا يكون وإن كان فيها ما لا يحبه ولا يرضاه وإن كان يحب الشيء فلا يكون لعدم مشيئته له ولو شاءه لوجد

الباب الثالث عشر في ذكر المرتبة الرابعة من مراتب القضاءوالقدر وهي مرتبة خلق الله سبحانه الأعمال وتكوينه وإيجاده لها

وهذا أمر متفق عليه بين الرسل صلى الله تعالى عليهم وسلم وعليه اتفقت الكتب الإلهية والفطر والعقول والاعتبار وخالف في ذلك مجوس الأمة فأخرجت طاعات ملائكته وأنبيائه ورسله وعباده المؤمنين وهي أشرف ما في العالم عن ربوبيته وتكوينه ومشيئته بل جعلوهم هم الخالقون لها ولا تعلق لها بمشيئته ولا تدخل تحت قدرته وكذلك قالوا في جميع أفعال الحيوانات الاختيارية فعندهم أنه سبحانه لا يقدر أن يهدي ضالا ولا يضلي مهتديا ولا يقدر أن يجعل المسلم مسلما والكافر كافرا والمصلي مصليا وإنما ذلك بجعلهم أنفسهم كذلك لا يجعله تعالى وقد نادى القرآن بل الكتب السماوية كلها والسنة وأدلة التوحيد والعقول على بطلان قولهم وصاح بهم أهل العلم والإيمان من أقطار الأرض وصنف حزب الإسلام وعصابة الرسول وعسكره التصانيف في الرد عليهم وهي أكثر من أن يحصيها إلا الله ولم تزل أيدي السلف وأئمة السنة في أقفيتهم ونواصيهم تحت أرجلهم إذ كانوا يردون باطلهم بالحق المحض وبدعتهم بالسنة والسنة لا يقوم لها شيء فكانوا معهم كالذمة مع المسلمين إلى أن نبغت نابغة ردوا بدعتهم ببدعة تقابلها وقابلوا باطلهم بباطل من جنسه وقالوا العبد مجبور على أفعاله مقهور عليها لا تأثير له في وجودها البتة وهي واقعة بإرادته وإختياره وغلا غلاتهم فقالوا بل هي عين أفعال الله ولا ينسب إلى العبد الأعلى المجاز والله سبحانه يلوم العبد ويعاقبه ويخلده في النار على ما لم يكن للعبد فيه صنع ولا هو فعله بل هو محض فعل الله وهذا قول الجبرية وهو أن لم يكن شرا من القدرية فليس هو بدونه في البطلان وإجماع الرسل واتفاق الكتب الإلهية وأدلة العقول والفطر والعيان يكذب هذا القول ويرده والطائفتان في عمي عن الحق القويم والصراط المستقيم ولما راى القاضي وغيره بطلان هذا القول وتناقضه للشرائع والعدل والجبلة قالوا قدرة العبد وإن لم تؤثر في وجود الفعل فهي مؤثرة في صفة من صفاته

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت