وهو سبحانه لما أراد التعبير عن هذا المعنى الذي ذكروه وذكره بادل عبارة عليه واوضحها فقال وأنه خلق الزوجين الذكر والأنثى فحمل قوله أعطى كل شيء خلقه على هذا المعنى غير صحيح فتأمله وفي الآية قول آخر قاله الضحاك قال أعطى كل شيء خلقه أعطى اليد البطش والرجل المشي واللسان النطق والعين البصر والأذن السمع ومعنى هذا القول أعطى كل عضو من الأعضاء ما خلق له والخلق على هذا بمعنى المفعول آي أعطى كل عضو مخلوقه الذي خلقه له فإن هذه المعاني كلها مخلوقة لله أودعها الأعضاء وهذا المعنى وإن كان صحيحا في نفسه لكن معنى الآية أعم والقول هو الأول وأنه سبحانه أعطى كل شيء خلقه المختص به ثم هداه لما خلق له ولا خالق سواه سبحانه ولا هادي غيره فهذا الخلق وهذه الهداية من آيات الربوبية ووحدانيته فهذا وجه الاستذلال على عدو الله فرعون ولهذا لما علم فرعون أن هذه حجة قاطعة لا مطعن فيها بوجه من الوجوه عدل إلى سؤال فاسد عن وارد فقال فما بال القرون الأولى أي فما للقرون الأولى لم تقر بهذا الرب ولم تعبده بل عبدت الأوثان والمعنى لو كان ما تقوله حقا لم يخف على القرون الأولى ولم يهملوه فاحتج عليه بما يشاهده هو وغيره من آثار ربوبية رب العالمين فعارضه عدو الله بكفر الكافرين به وشرك المشركين وهذا شأن كل مبطل ولهذا صار هذا ميزانا في ورثته يعارضون نصوص الأنبياء بأقوال الزنادقة والملاحدة وأفراخ الفلاسفة والصابئة والسحرة ومبتدعة الأمة وأهل الضلال منهم فأجابه موسى عن معارضته بأحسن جواب فقال علمها عند ربي آي أعمال تلك القرون وكفرهم وشركهم معلوم لربي قد أحصاه وحفظه وأودعه في كتاب فيجازيهم عليه يوم القيامة ولم يودعه في كتاب خشية النسيان والضلال فإنه سبحانه لا يضل ولا ينسى وعلى هذا فالكتاب ها هنا كتاب الأعمال وقال الكلبي يعني به اللوح المحفوظ وعلى هذا فهو كتاب القدر السابق والمعنى على هذا أنه سبحانه قد علم أعمالهم وكتبها عنده قبل أن يعملوها فيكون هذا من تمام قوله الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى فتأمله
فصل وهو سبحانه في القرآن كثيرا ما يجمع بين الخلق والهداية كقوله في أول سورة أنزلها على رسوله اقرأ باسم ربك الذي خلق خلق الإنسان من علق اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم وقوله الرحمن علم القرآن خلق الإنسان علمه البيان وقوله ألم نجعل له عينين ولسانا وشفتين وهديناه النجدين فلا اقتحم العقبة وقوله إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج نبتليه فجعلناه سميعا بصيرا إنا هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا وقوله أمن خلق السماوات والأرض وأنزل لكم من السماء ماء فأنبتنا به حدائق ذات بهجة الآيات ثم قال أمن يهديهم في ظلمات البر والبحر فالخلق إعطاء الوجود العيني الخارجي والهدى إعطاء الوجود العلمي الذهني فهذا خلقه وهذا هداه وتعليمه
فصل المرتبة الثانية من مراتب الهدايه هداية الإرشاد والبيان للمكلفين وهذه الهداية لا تستلزم حصول التوفيق واتباع الحق وإن كانت شرط فيه او جزء سبب وذلك لا يستلزم حصول المشروط والمسبب بل قد يتخلف عنه المقتضى إما لعدم كمال السبب أو لوجود مانع ولهذا قال تعالى وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى وقال وما كان ليضل قوما بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون فهداهم هدى البيان والدلالة فلم يهتدوا فأضلهم عقوبة لهم على ترك الاهتداء أولا