بعد أن عرفوا الهدى فأعرضوا عنه فأعماهم عنه بعد أن أراهموه وهذا شأنه سبحانه في كل من أنعم عليه بنعمة فكفرها فإنه يسلبه إياها بعد إن كانت نصيبه وحظه كما قال تعالى ذلك بأن الله لم يك مغيرا نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم وقال تعالى عن قوم فرعون وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا أي جحدوا بآياتنا بعد أن تيقنوا صحتها وقال كيف يهدي الله قوما كفروا بعد إيمانهم وشهدوا أن الرسول حق وجاءهم البينات والله لا يهدي القوم الظالمين وهذه الهداية هي التي أثبتها لرسوله حيث قال وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم ونفى عنه ملك الهداية الموجبة وهي هداية التوفيق والإلهام بقوله إنك لا تهدي من أحببت ولهذا قال صلى الله عليه و سلم بعثت داعيا ومبلغا وليس إلي من الهداية شيء وبعث إبليس مزينا ومغويا وليس إليه من الضلالة شيء قال تعالى والله يدعو إلى دار السلام ويهدي من يشاء إلى صراط مستقيم فجمع سبحانه بين الهداء يتبين العامة والخاصة فعم بالدعوة حجة مشيئة وعدلا وخص بالهداية نعمة مشيئة وفضلا وهذه المرتبة أخص من التي قبلها فأنها هداية تخص المكلفين وهي حجة الله على خلقه التي لا يعذب أحدا إلا بعد إقامتها عليه قال تعالى وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا وقال رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل وقال أن تقول نفس يا حسرتا على ما فرطت في جنب الله وإن كنت لمن الساخرين أو تقول لو أن الله هداني لكنت من المتقين وقال كلما ألقى فيها فوج سألهم خزنتها ألم يأتكم نذير قالوا بلى قد جاءنا نذير فكذبنا وقلنا ما نزل الله من شيء إن أنتم إلا في ضلال كبير فإن قيل كيف تقوم حجته عليهم وقد منعهم من الهدى وحال بينهم وبينه قيل حجته قائمة عليهم بتخليته بينهم وبين الهدى وبيان الرسل لهم وأراءتهم الصراط المستقيم حتى كانهم يشاهدونه عيانا وأقام لهم أسباب الهداية ظاهرا وباطنا ولم يحل بينهم وبين تلك الأسباب ومن حال بينه وبينها منهم بزوال عقل أو صغر لا تمييز معه أو كونه بناحية من الأرض لم تبلغه دعوة رسله فإنه لا يعذبه حتى يقيم عليه حجته فلم يمنعهم من هذا الهدى ولم يحل بينهم وبينه نعم قطع عنهم توفيقه ولم يرد من نفسه أعانتهم والإقبال بقلوبهم إليه فم يحل بينهم وبين ما هو مقدور لهم وإن حال بينهم وبين ما لا يقدرون عليه وهو فعله ومشيئته وتوفيقه فهذا غير مقدور لهم وهو الذي منعوه وحيل بينهم وبينه فتأمل هذا الموضع وأعرف قدره والله المستعان
فصل المرتبة الثالثة من مراتب الهداية هداية التوفيق والإلهام وخلق المشيئة المستلزمة للفعل وهذه المرتبة أخص من التي قبلها وهي التي ضل جهال القدرية بإنكارها وصاح عليهم سلف الأمة وأهل السنة منهم من نواحي الأرض عصرا بعد عصر إلى وقتنا هذا ولكن الجبرية ظلمتهم ولم تنصفهم كما ظلموا أنفسهم بإنكار الأسباب والقوى وإنكار فعل العبد وقدرته وان يكون له تأثير في الفعل البتة فلم يهتدوا لقول هؤلاء بل زادهم ضلال على ضلالهم وتمسكا بما هم عليه وهذا شأن المبطل إذا دعى مبطلا آخر إلى ترك مذهبه لقوله ومذهبه الباطل كالنصراني إذا دعى اليهودي إلى التثليث وعبادة الصليب وأن المسيح إله تام غير مخلوق إلى أمثال ذلك من الباطل الذي هو عليه وهذه المرتبة تستلزم أمرين أحدهما فعل لرب تعالى وهو الهدى والثاني فعل العبد وهو الاهتداء وهو أثر فعله سبحانه فهو الهادي والعبد المهتدي قال تعالى من يهد الله فهو المهتد ولا سبيل إلى وجود الأثر