فهرس الكتاب

الصفحة 27 من 306

ما كنت أشد اجتهادا مني الآن فإن العبد إذا علم أن سلوك هذا الطريق يقضي به إلى رياض مونقة وبساتين معجبة ومساكن طيبة ولذة ونعيم لا يشوبه نكد ولا تعب كان حرصه على سلوكها واجتهاده في السير فيها بحسب علمه بما يفضي إليه ولهذا قال أبو عثمان النهدي لسلمان لأنا باول هذا الأمر أشد فرحا مني بآخره وذلك لأنه إذا كان قد سبق له من الله سابقة وهيأه ويسره للوصول إليها كان فرحه بالسابقة التي سبقت له من الله أعظم من فرحه بالأسباب التي تأتي بها فإنها سبقت له من الله قبل الوسيلة منه وعلمها الله وشاءها وكتبها وقدرها وهيأ له أسبابها لتوصله إليها فالأمر كله من فضله وجوده السابق فسبق له من الله سابقة السعادة ووسيلتها وغايتها فالمؤمن أشد فرحا بذلك من كون أمره مجعولا إليه كما قال بعض السلف والله ما أحب أن يجعل أمري إلي إنه إذا كان بيد الله خيرا من ان يكون بيدي فالقدر السابق معين على الأعمال وما يحث عليها ومقتض لها لا انه مناف لها وصاد عنها وهذا موضع مزلة قدم من ثبتت قدمه فاز بالنعيم المقيم ومن زلت قدمه عنه هوى إلى قرار الجحيم فالنبي صلى الله عليه و سلم أرشد الأمة في القدر إلي أمرين هما سببا السعادة الإيمان بالأقدار فإنه نظام التوحيد والإتيان بالأسباب التي توصل إلى خيره وتحجز عن شره وذلك نظام الشرع فأرشدهم إلى نظام التوحيد والأمر فأبى المنحرفون إلا القدح بانكاره في أصل التوحيد أو القدح باثباته في أصل الشرع ولم تتسع عقولهم التي لم يلق الله عليها من نوره للجمع بين ما جمعت الرسل جميعهم بينه وهو القدر والشرع والخلق والأمر وهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم والنبي صلى الله عليه و سلم شديد الحرص على جمع هذين الأمرين للأمة وقد تقدم قوله إحرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز وإن العاجز من لم يتسع للأمرين وبالله التوفيق

الباب الثامن في قوله تعالى إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون

وقد تقدمت الأحاديث بوقوع أهل السعادة في إحدى القبضتين وكتابتهم بأسمائهم وأسماء آبائهم في ديوان السعداء قبل خلقهم وفي صحيح الحاكم من حديث الحسين بن واقد عن يزيد النحوي عن عكرمة عن ابن عباس قال لما نزلت إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم قال المشركون فالملائكة وعيسى وعزيرا يعبدون من دون الله قال فنزلت إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون وهذا إسناد صحيح وقال علي بن المديني ثنا يحيى بن آدم ثنا أبو بكر بن عياش عن عاصم قال أخبرني أبو رزين عن أبي يحيى عن ابن عباس أنه قال آية لا يسأل الناس عنها لا أدري أعرفوها فلم يسألوا عنها أو جهلوها فلا يسألون عنها فقيل له وما هي فقال لما نزلت إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها واردون شق ذلك على قريش أو على أهل مكة وقالوا يشتم آلهتنا فجاء ابن الزبعري فقال مالكم قالوا يشتم آلهتنا قال وما قال قالوا قال إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها واردون قال ادعوه لي فلما دعي النبي صلى الله عليه و سلم قال يا محمد هذا شيء لآلهتنا خاصة أم لكل من عبد من دون الله فقال لا بل لكل من عبد من دون الله قال فقال ابن الزبعري خصمت ورب هذه البنية يعني الكعبة ألست تزعم أن الملائكة عباد صالحون وأن عيسى عبد صالح وأن عزيرا عبد صالح وهذه بنو مليح تعبد الملائكة وهذه النصارى تعبد عيسى وهذه اليهود تعبد عزيرا قال فضج أهل مكة فأنزل

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت