فهرس الكتاب

الصفحة 134 من 306

بمعنى المصنوع المفعول فإنه الذي يمكن وقوع النظر والرؤية عليه وأما الإنشاء فإنما وقع إطلاقه عليه سبحانه فعلا كقوله وينشئ السحاب الثقال وقوله فأنشأنا لكم به جنات وقوله وننشئكم فيما لا تعلمون وهو كثير ولم يرد لفظ المنشئ وأما العبد فيطلق عليه الإنشاء باعتبار آخر وهو شروعه في الفعل وابتداؤه له يقول أنشأ يحدثنا وأنشأ السير فهو منشأ لذلك وهذا انشاء وأنشأ مقيد وإنشاء الرب إنشاء مطلق وهذه اللفظة تدور على معنى الابتداء أنشأه الله أي ابتدأ خلقه وأنشأ يفعل كذا ابتداء وفلان ينشئ الأحاديث أي يبتدئ وضعها والناشئ أول ما ينشأ من السحاب قال الجوهري وناشئة الليل أول ساعاته قلت هذا قد قاله غير واحد من السلف إن ناشئة الليل أوله التي منها ينشأ الليل والصحيح أنها لا تختص بالساعة الأولى بل هي ساعاته ناشئة بعد ناشئة كلما انقضت ساعة نشأت بعدها أخرى وقال أبو عبيدة ناشئة الليل ساعاته وآناؤه ناشئة بعد ناشئة قال الزجاج ناشئةالليل كلما نشأ منه أي حدث منه فهو ناشئة قال ابن قتيبة هي آناء الليل وساعاته مأخوذة من نشأت تنشأ نشأ أي ابتدأت وأقبلت شيئا بعد شيء وأنشأها الله فنشأت والمعنى أن ساعات الليل الناشئة وقول صاحب الصحاح منقول عن كثير من السلف قال علي بن الحسين ناشئة الليل ما بين المغرب إلى العشاء وهذا قول أنس وثابت وسعيد بن جبير والضحاك والحكم واختيار الكسائي قالوا ناشئة الليل أوله وهؤلاء راعوا معنى الأولية في الناشة وفيها قول ثالث أن الليل كله ناشئة وهذا قول عكرمة وأبي مجلز ومجاهد والسدى وابن الزبير وابن عباس في رواية قال ابن أبي مليكة سألت ابن الزبير وابن عباس عن ناشئة الليل فقالا الليل كله ناشئة فهذه أقوال من جعل ناشئة الليل زمانا وأما من جعلها فعلا ينشأ بالليل فالناشئة عندهم اسم لما يفعل بالليل من القيام وهذا قول ابن مسعود ومعاوية بن قرة وجماعة قالوا ناشئة الليل قيام الليل وقال آخرون منهم عائشة إنما يكون القيام ناشئة إذا تقدمه نوم قالت عائشة ناشئة الليل القيام بعد النوم وهذا قول ابن الأعرابي قال اذا نمت من أول الليل نومة ثم قمت فتلك النشأة ومنه ناشئة الليل فعلى قول الأولين ناشئة الليل بمعنى من إضافة نوع إلى جنسه أي ناشئة منه وعلى قول هؤلاء إضافة بمعنى في أي طاعة ناشئة فيه والمقصود أن الإنشاء ابتداء سواء تقدمه مثله كالنشأة الثانية أو لم يتقدمه كالنشأة الأولى وأما الجعل فقد أطلق على الله سبحانه بمعنيين أحدهما الإيجاد والخلق والثاني التصيير فالأول يتعدى إلى مفعول كقوله وجعلنا الظلمات والنور والثاني أكثر ما يتعدى إلى مفعولين كقوله إنا جعلناه قرآنا عربيا وأطلق على العبد بالمعنى الثاني خاصة كقوله وجعلوا الله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيبا وغالب ما يستعمل في حق العبد في جعل التسمية والاعتقاد حيث لا يكون له صنع في المجعول كقوله وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثا وقوله قل أرأيتم ما أنزل الله لكم من رزق فجعلتم منه حراما وحلالا وهذا يتعدى إلى واحد وهو جعل اعتقاد وتسمية وأما الفعل والعمل فإطلاقه على العبد كثير لبئس ما كانوا يفعلون لبئس مل كانوا يعملون بما كنتم تعملون وأطلقه على نفسه فعلا وأسما فالأول كقوله ويفعل الله ما يشاء والثاني كقوله فعال لما يريد وقوله وكنا فاعلين في موضعين من كتابه أحدهما قوله وسخرنا مع داود الجبال يسبحن والطير وكنا فاعلين والثاني قوله يوم نطوي السماء كطي السجل للكتب كما بدأنا أول خلق نعيده وعدا عليها إنا كنا فاعلين فتأمل قوله كنا فاعلين في هذين الموضعين

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت