والعبد لا تتعلق قدرته بذلك إذ غاية مقدوره التصرف في بعض صفات ما أوجده الرب تعالى وبراه وتغييرها من حال إلى حال على وجه مخصوص لا تتعداه قدرته ليس من هذا بريت القلم لأنه معتل لا مهموز ولا برأت من المرض لأنه فعل لازم غير متعد وكذلك مبدع الشيء وبديعه لا يصح إطلاقه إلا على الرب كقوله بديع السماوات والأرض الإبداع إيجاد المبدع على غير مثال سبق والعبد يسمى مبتدعا لكونه أحدث قولا لم تمض به سنة ثم يقال لمن اتبعه عليه مبتدع أيضا وأما لفظ الموجد فلم يقع في أسمائه سبحانه وإن كان هو الموجد على الحقيقة ووقع في أسمائه الواجد وهو بمعنى الغنى الذي له الوجد وأما الموجد فهو مفعل من أوجد وله معنيان أحدهما أن يجعل الشيء موجودا وهو تعدية وجده وأوجده قال الجوهري وجد الشيء عن عدم فهو موجد مثل حم فهو محموم وأوجده الله ولا يقال وجدوه والمعنى أوجده جعل له جدة وغنى وهذا يتعدى إلى مفعولين قال في الصحاح أوجده الله مطلوبه أي أظفره به وأوجده أي أغناه قلت وهذا يحتمل أمرين أحدهما أن يكون من باب حذف أحد المفعولين أي أوجده مالا وغنى وأن يكون من باب صيره وأوجدا مثل أغناه وأفقره إذا صيره غنيا وفقيرا فعلى التقديرالأول يكون تعديه وجد مالا وغنى وأوجده الله إياه وعلى الثاني يكون تعديه وجد وجدا إذا استغنى ومصدر هذا الوجد بالضم والفتح والكسر قال تعالى أسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم فغير ممتنع أن يطلق على من يفعل بالقدرة المحدثة أنه أوجد مقدوره كما يطلق عليه أنه فعله وعمله وصنعه وأحدثه لا على سبيل الاستقلال وكذلك لفظ المؤثر لم يرد إطلاقه في أسماء الرب وقد وقع اطلاق الأثر والتأثر ! على فعل العبد قال تعالى إنا نحن نحيي الموتى ونكتب ما قدموا وآثارهم قال ابن عباس ما أثروا من خير أو شر فسمى ذلك آثارا لحصوله بتأثيرهم ومن العجب أن المتكلمين يمتنعون من اطلاق التأثير والمؤثر على من أطلق عليه في القرآن والسنة كما قال النبي صلى الله عليه و سلم لبني سلمة دياركم تكتب آثاركم أي الزموا دياركم ويخصونه بمن لم يقع اطلاقه عليه في كتاب ولا سنة وإن استعمل في حقه الإيثار والاستئثار كما قال أخو يوسف تالله لقد آثرك الله علينا وفي الأثر إذا استأثر الله بشيء فاله عنه وقال الناظم
... استأثر الله بالثناء وبالحمد ... وولى الملامة الرجلا ولما كان التأثير تفعيلا من أثرت في كذا تأثير فأنا مؤثر لم يمتنع اطلاقه على العبد قال في الصحاح التأثير ابقاء الأثر في الشيء وأما لفظ الصانع فلم يرد في أسماء الرب سبحانه ولا يمكن ورودها فإن الصانع من صنع شيئا عدلا كان أو ظلما سفها أو حكمة جائرا أو غير جائز وما انقسم مسماه إلى مدح وذم لم يجئ اسمه المطلق في الأسماء الحسنى كالفاعل والعامل والصانع والمريد والمتكلم لانقسام معاني هذه الأسماء إلى محمود ومذموم بخلاف العالم والقادر والحي والسميع والبصير وقد سمي النبي صلى الله عليه و سلم العبد صانعا قال البخاري حدثنا علي بن عبد الله ثنا مروان بن معاوية ثنا أبو مالك عن ربعي بن خراش عن حذيفة قال قال النبي صلى الله عليه و سلم أن الله يصنع كل صانع وصنعته وقد أطلق سبحانه على فعله اسم الصنع فقال صنع الله الذي أتقن كل شيء وهو منصوب على المصدر لأن قوله تعالى وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مر السحاب يدل على الصنعة وقيل هو نصب على المفعولية أي انظروا صنع الله فعلى الأول يكون صنع الله مصدرا بمعنى الفعل وعلى الثاني يكون