فهرس الكتاب

الصفحة 137 من 306

العرب لا يقولون أزنى الله الرجل وأسرقه وأشربه وأقتله إذا جعله يزني ويسرق ويشرب ويقتل وإن كان في لغتها أقامه وأقعده وأنطقه وأضحكه وأبكاه وأضله وقد يأتي هذا مضاعفا كفهمه وعلمه وسيره وقال تعالى ففهمناها سليمان فالتفيهم منه سبحانه والفهم من نبيه سليمان وكذلك قوله وعلمناه من لدنا علما فالتعليم منه سبحانه وكذلك التسيير والسير والتعلم من العبد فهذا المعنى ثابت في جميع الأفعال فهو سبحانه هو الذي جعل العبد فاعلا كما قال وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار فهو سبحانه الذي جعل أئمة الهدى يهدون بأمره وجعل أئمة الضلال والبدع يدعون إلى النار فامتناع إطلاق أكلمه فتكلم لا يمنع من إطلاق أنطقه فنطق وكذلك امتناع إطلاق أهداه بأمره وادعاه إلى النار لا يمنع من إطلاق جعله يهدي بأمر ويدعو إلى النار

فإن قيل ومع ذلك كله هل تقولون أن الله سبحانه هو الذي جعل الزانيين يزنيان وهو الذي جمع بينهما على الفعل وساق أحدهما إلى صاحبه

قيل أصل بلاء أكثر الناس من جهة الألفاظ المجملة التي تشتمل على حق وباطل فيطلقها من يريد حقها فينكرها من يريد باطلها فيرد عليه من يريد حقها وهذا باب إذا تأمله الذكي الفطن رأى منه عجائب وخلصه من ورطات تورط فيها أكثر الطوائف فالجعل المضاف إلى الله سبحانه يراد به الجعل الذي يحبه ويرضاه والجعل الذي قدره وقضاه قال الله ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام فهذا نفي لجعله الشرعي الديني أي ما شرع ذلك ولا أمر به ولا أحبه ورضيه وقال تعالى وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار فهذا بعل كوني قدري أي قدرنا ذلك وقضيناه وجعل العبد أماما يدعو إلى النار أبلغ من جعله يزني ويسرق ويقتل وجعله كذلك أيضا لفظ مجمل يراد به أنه جبره وأكرهه عليه واضطره إليه وهذا محال في حق الرب تعالى وكماله المقدس يأبى ذلك وصفات كماله تمنع منه كما تقدم ويراد به أنه مكنه من ذلك وأقدره عليه من غير أن يضطره إليه ولا إكرهه ولا أجبره فهذا حق

فإن قيل هذا كله عدول عن المقصود فمن أحدث معصية وأوجدها وأبرزها من العدم إلى الوجود

قيل الفاعل لها هو الذي أوجدها وأحدثها وأبرزها من العدم إلى الوجود بأقدار الله له على ذلك وتمكينه منه من غير إلجاء له ولا اضطرار منه إلى فعلها

فإن قيل فمن الذي خلقها إذا

قيل لكم ومن الذي فعلها فإن قلتم الرب سبحانه هو الفاعل للفسوق والعصيان أكذبكم العقل والفطرة وكتب الله المنزلة وإجماع رسله وإثبات حمده وصفات كماله فإن فعله سبحانه كله خير وتعالى أن يفعل شرا بوجه من الوجوه فالشر ليس إليه والخير هو الذي إليه ولا يفعل إلا خيرا ولا يريد إلا خيرا ولو شاء لفعل غير ذلك ولكنه تعالى تنزه عن فعل مالا ينبغي وإرادته ومشيئته كما هو منزه عن الوصف به والتسمية به

وإن قلتم العبد هو الذي فعلها بما خلق فيه من الإرادة والمشيئة

قيل فالله سبحانه خالق أفعال العباد كلها بهذا الاعتبار ولو سلك الجبري مع القدري هذا المسلك لاستراح معه وأراحه وكذلك القدري معه ولكن انحرف الفريقان عن سواء السبيل كما قال ... سارت مشرقة وسرت مغربا ... شتان بين مشرق ومغرب ... فإن قيل فهل يمكنه الامتناع منها وقد خلقت فيه نفسها أو أسبابها الموجبة لها وخلق السبب الموجب خلق لمسببه وموجبه قيل هذا السؤال يورد على وجهين أحدهما أن يراد به أنه يصير مضطرا إليها

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت