فهرس الكتاب

الصفحة 141 من 306

لا تمنع ذلك بل هو جائز عليه ولولا خبره عن نفسه بأنه لا يفعل ذلك لم ننزهه عنه وقلت أن تكليفه عبادة بما كلفهم بمنزلة تكليف الأعمى للكتابة والزمن للطيران فبغضت الرب إلى من دعوته إلى هذا الاعتقاد ونفرته عنه وزعمت أنك تقرر بذلك توحيده وقد قلعت شجرة التوحيد من أصلها وأما منافاة الجبر للشرائع فأمر ظاهر لا خفاء به فإن مبنى الشرائع على الأمر والنهي وأمر الآمر لغيره بفعل نفسه لا بفعل المأمور ونهيه عن فعله لا فعل المنهي عبث ظاهر فإن متعلق الأمر والنهي فعل العبد وطاعته ومعصيته فمن لا فعل له كيف يتصور أن يوقعه بطاعة أو معصية وإذا ارتفعت حقيقة الطاعة والمعصية ارتفعت حقيقة الثواب والعقاب وكان ما يفعله الله بعباده يوم القيامة من النعيم والعذاب أحكاما جارية بمحض المشيئة والقدرة لا أنها بأسباب طاعاتهم ومعاصيهم بل ههنا أمر آخر وهو أن الجبر مناف للخلق كما هو مناف للأمر فإن الله سبحانه له الخلق والأمر وما قامت السماوات إلا بعد له فالخلق قام بعدله ولعدله ظهر كما أن الأمر بعدله وبعدله وجد فالعدل سبب وجود الخلق والأمر وغايته فهو علية الفاعلية الغائية والجبر لا يجامع العدل ولا يجامع الشرع والتوحيد قال الجبري لقد نطقت أيها السني بغطيم وفهمت بكبير وناقضت بين متوافقين وخالفت بين متلازمين فإن أدلة العقول والشرع المنقول قائمة على الجبر وما دل عليه العقل والنقل كيف ينافي موجب العقل والشرع فاسمع الآن الدليل الباهر والبرهان القاهر على الجبر ثم تتبعه بأمثال فنقول صدور الفعل عند حصول القدرة والداعي إما أن يكون واجبا أولا يكون واجبا فإن كان واجبا كان فعل العبد اضطرا وذلك عين الجبر لأن حصول القدرة والداعي ليس بالعبد والالزم التسلسل وهو ظاهر وإذا كان كذلك فعند حصولهما يكون واجبا وعند عدم حصولهما يكون الفعل ممتنعا فكان الجبر لازما لا محالة وأما إن لم يكن حصول الفعل عند حصول القدرة والداعي واجبا فأما أن يتوقف رجحان الفعل على رجحان الترك على مرجح أولا يتوقف فإن توقف كان حصول ذلك الفعل عند حصول المرجح واجبا والإعاد الكلام ولزم التسلسل وإذا كان واجبا كان اضطراريا وهو عين الجبر وإن لم يتوقف على مرجح كان جائز الوقوع وجائز العدم فوقوعه بغير مرجح يستلزم حصول الأثر بلا مؤثر وذلك محال

فإن قلت المرجح هو إرادة العبد

قلت لك إرادة العبد حادثة والكلام في حدوثها كالكلام في حدوث المراد بها ويلزم التسلسل قال السني هذا أحد سهم في كنانتك وهو بحمد الله سهم لا ريش له ولا نصل مع عوجه وعدم استقامته وأنا استفسرك عما في هذه الحجة من الألفاظ المجملة المستعملة على حق وباطل وأبين فسادها فما تعنى بقولك إن كان الفعل عند القدرة والداعي واجبا كان فعل العبد اضطراريا وهو عين الجبر أتعني به أن يكون مع القدرة والداعي بمنزلة حركة المرتعش وحركة من نفضته الحمى وحركة من رمى به من مكان عال فهو يتحرك في نزوله اضطرارا منه أم تعني به أن الفعل عند اجتماع القدرة والداعي يكون لازم الوقوع بالقدرة فإن أردت بكونه اضطراريا المعنى الأول كذبتك العقول والفطر والحس والعيان فإن الله فطر عباده على التفريق بين حركة من رمى به من شاهق فهو يتحرك إلى أسفل وبين حركة من يرقى في الجبل إلى علوه وبين حركة المرتعش وبين حركة المصفق وبين حركة الزاني والسارق والمجاهد والمصلي وحركة المكتوف الذي قد أوثق رباطا وجر على الأرض فمن سوى بين الحركتين فقد خلع ربقه العقل والفطرة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت