فهرس الكتاب

الصفحة 182 من 306

إليه

فإن قلت فلم خلقه وهو شر

قلت خلقه له وفعله خير لا شر فإن الخلق والفعل قائم به سبحانه والشر يستحيل قيامه به واتصافه به وما كان في المخلوق من شر فلعدم إضافته ونسبته إليه والفعل والخلق يضاف إليه فكان خيرا والذي شاءه كله خير والذي لم يشأ وجوده بقي على العدم الأصلي وهو الشر فإن الشر كله عدم وأن سببه جهل وهو عدم العلم أو ظلم وهو عدم العدل وما يترتب على ذلك من الآلام فهو من عدم استعداد المحل وقبوله لأسباب الخيرات واللذات

فإن قلت كثير من الناس يطلق القول بأن الخير كله من الوجود ولوازمه والشر كله من العدم ولوازمه والوجود خير والشر المحض لا يكون إلا عدما

قلت هذا اللفظ فيه إجمال فإن أريد به أن كل ما خلقه الله وأوجده ففيه الخير ووجوده خير من عدمه وما لم يخلقه ولم يشأه فهو المعدوم الباقي على عدمه ولا خير فيه إذ لو كان فيه خير لفعله فانه بيده الخير فهذا صحيح فالشر العدمي هو عدم الخير وأن أريد أن كل ما يلزم الوجود فهو خير وكل ما يلزم العدم فهو شر فليس بصحيح فإن الوجود قد يلزمه شر مرجوح والعدم قد يلزمه خير راجح مثال الأول النار والمطر والحر والبرد والثلج ووجود الحيوانات فإن هذا موجود ويلزمه شر جزئي مغمور بالنسبة إلى ما في وجود ذلك من الخير وكذلك المأمور به قد يلزمه من الألم والمشقة ما هو شر جزئي مغمور بالنسبة إلى ما فيه من الخير

وتحقيق الأمر أن الشر نوعان شر محض حقيقي من كل وجه وشر نسبي إضافي من وجه دون وجه فالأول لا يدخل في الوجود إذ لو دخل في الوجود لم يكن شرا محضا والثاني هو الذي يدخل في الوجود فالأمور التي يقال هي شرور إما أن تكون أمورا عدمية أو أمورا وجودية فإن كانت عدمية فإنها إما أن تكون عدما لأمور ضرورية للشيء في وجوده أو ضرورية له في دوام وجوده وبقائه او ضرورية له في كماله وإما أن تكون غير ضرورية له في وجوده ولا بقائه ولا كماله وإن كان وجودها خيرا من عدمها فهذه أربعة أقسام فالاول كالإحساس والحركة والنفس للحيوان والثاني كقوة الاغتذاء والنمو للحيوان المغتذي النامي والثالث كصحته وسمعه وبصره وقوته والرابع كالعلم بدقائق المعلومات التي العلم بها خير من الجهل وليست ضرورية له وأما الأمور الوجودية فوجود كل ما يضاد الحياة والبقاء والكمال كالأمراض وأسبابها والآلام وأسبابها والموانع الوجودية التي تمنع حصول الخير ووصوله إلى المحل القابل له المستعد لحصوله كالمواد الردية المانعة من وصول الغذاء إلى أعضاء البدن وانتفاعها به وكالعقائد الباطلة والإرادات الفاسدة المانعة لحصول أضدادها للقلب إذا عرف هذا فالشر بالذات هو عدم ما هو ضروري للشيء في وجوده أو بقائه أو كماله ولهذا العدم لوازم من شر أيضا فإن عدم العلم والعدل يلزمها من الجهل والظلم ما هو شرور وجودية وعدم الصحة والاعتدال يلزمهما من الألم والضرر ما هو شر وجودي وأما عدم الأمور المستغنى عنها كعدم الغنى المفرط والعلوم التي لا يضر الجهل بها فليس بشر في الحقيقة ولا وجودها سببا للشر فإن العلم منه حيث هو علم والغني منه حيث هو غني لم يوضع سببا للشر وإنما يترتب الشر من عدم صفة تقتضي الخير كعدم العفة والصبر والعدل في حق الغنى فيحصل الشر له في غناه بعدم هذه الصفات وكذلك عدم الحكمة ووضع الشيء موضعه وعدم إرادة الحكمة في حق صاحب العلم يوجب ترتب الشر له على ذلك فظهر أن الشر لم يترتب إلا على عدم وإلا فالموجود من حيث وجوده لا يكون شرا ولا سببا للشر فالأمور الوجودية ليست شرورا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت