فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
على أن يرضع فكذلك هو مولود على أن يعرف الله والمعرفة ضرورية لا محالة إذا لم يوجد معارض وأيضا فإن حب النفس لله وخضوعها له وإخلاصها له مع الكفر به والشرك والإعراض عنه ونسيان ذكره إما أن يكون نسبتهما إلى الفطرة سواء أو الفطرة مقتضية للأول دون الثاني فإن كانا سواء لزم انتفاء المدح كما تقدم وإن لم يكن فرق بين دعائها إلى الكفر ودعائها إلى الإيمان ويكون تمجيسها كتحنيفها وقد عرف بطلان هذا وإن كان فيها مقتض لهذا فأما أن يكون المقتضى مستلزما لمقتضاه عند عدم المعارض وإما أن يكون متوقفا على شخص خارج عنها فإن كان الأول ثبت ذلك من لوازمها وأنها مفطورة عليه لا يفقد إلا إذا فسدت الفطرة وإن قدر أنه متوقف على شخص فذلك الشخص هو الذي يجعلها حنيفية كما يجعلها مجوسية وحينئذ فلا فرق بين هذا وهذا وإذا قيل هي إلى الحنيفية أميل كان كما يقال هي إلى غيرها أميل فتبين أن فيها قوة موجبة لحب لله والذل له وإخلاص الدين له وانها موجبة لمقتضاها إذا سلمت من المعارض كما أن فيها قوة تقتضي شرب اللبن الذي فطرت على محبته وطلبه مما يبين هذا إن كل حركة إرادية فإن الموجب لها قوة في المريد فإذا أمكن في الإنسان أن يحب الله ويعبده ويخلص له الدين كان فيه قوة تقتضي ذلك إذ الأفعال الإرادية لا يكون سببها إلا من نفس الحي المريد الفاعل ولا يشترط في إرادته إلا مجرد الشعور بالمراد فما في النفوس من قوة المحبة له إذا شعرت به تقتضي حبه إذا لم يحصل معارض وهذا موجود في محبة الأطعمة والأشربة والنكاح والعلم وغيرها وقد ثبت أن في النفس قوة المحبة لله والإخلاص والذل له والخضوع وأن فيها قوة الشعور به فيلزم قطعا وجود المحبة له والتعظيم والخضوع بالفعل لوجود المقتضي إذا سلم عن المعارض وتبين أن المعرفة والمحبة لا يشترط فيهما وجود شخص منفصل وإن كان وجوده قد يذكر ويحرك كما لو خوطب الجائع او الظمآن بوصف طعام أو خوطب المغتلم بوصف النساء فإن هذا مما يذكره ويحركه ويثير شهوته الكامنة بالقوة في نفسه لا أنه يحدث له نفس تلك الإرادة والشهوة بعد أن لم تكن فيه فيجعلها موجودة بعد أن كانت عدما فكذلك الأسباب الخارجة عن الفطرة لا يتوقف عليها وجود ما في الفطرة من العثور بالخالق ومحبته وتعظيمه والخضوع له وإن كان ذلك مذكرا ومحركا ومنبها ومزيلا للعارض المانع ولذلك سمى الله سبحانه ما كمل به موجبات الفطرة بذكرا وذكرى وجعل رسوله مذكرا فقال فذكر إنما أنت مذكر وقال فذكر إن نفعت الذكرى وقال وما يتذكر إلا من ينيب وقال وما يتذكر إلا أولو الألباب وقال إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب وقال ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر وقال فإنما يسرناه بلسانك لعلهم يتذكرون وهذا كثير في القرآن يخبر أن كتابه ورسوله مذكر لهم بما هو مركوز في فطرهم من معرفته ومحبته وتعظيمه وإجلاله والخضوع له والإخلاص له ومحبة شرعه الذي هو العدل المحض وإيثاره على ما سواه فالفطر مركوز فيها معرفته ومحبته والإخلاص له والإقرار بشرعه وإيثاره على غيره فهي تعرف ذلك وتشعر به مجملا ومفصلا بعض التفصيل فجاءت الرسل تذكرها بذلك وتنبهها عليه وتفصله لها وتبينه وتعرفها الأسباب المعارضة لموجب الفطرة