فهرس الكتاب

‹
الصفحة 306 من 306

حصل له من معرفته بربه ومحبته ما يناسب قوة فطرته وضعفها وهذا كما يشاهد في الاطفال من محبة جلب المنافع ودفع المضار بحسب كمال التمييز وضعفه فكلاهما أمر حاصل مع النشأة على التدريج شيئا فشيئا إلى أن يصل إلى حده الذي ليس في الفطرة استعداد لأكثر منه لكن قد يتفق لكثير من الفطر موانع متنوعة تحول بينها وبين مقتضاها وموجبها

الوجه السادس أنه من المعلوم أن النفوس إذا حصل لها معلم وداع حصل لها من العلم والإرادة بحسبه ومن المعلوم أن كل نفس قابلة لمعرفة الحق وإرادة الخير ومجرد التعليم لا يوجب تلك القابلية فلولا أن في النفس قوة تقبل ذلك لم يحصل لها القبول فإن لحصوله في المحل شروط مقبولة له وذلك القبول هو كونه مهيأ له مستعدا لحصوله فيه وقد بينا أنه يمتنع أن يكون سببه ذلك وضده إلى النفس سواء

الوجه السابع أنه من المعلوم مشاركة الإنسان لنوع الحيوان في الإحساس والحركة الإرادية وحبس الشعور وأن الحيوان البهيم قد يكون أقوى إحساسا وحياة وشعورا من الإنسان وليس بقابل لما الإنسان قابل له من معرفة الحق وإرادته دون غيره فلولا قوة في الفطرة والنفس الناطقة اختص بها الإنسان دون الحيوان يقبل بها أن يعرف الحق ويريد الخير لكان هو والحيوان في هذا العدم سواء وحينئذ يلزم أحد أمرين كلاهما ممتنع أما كون الإنسان فاقدا لهذه المعرفة والإرادة كغيره من الحيوانات أو تكون حاصلة لها كحصولها للإنسان فلولا أن في الفطرة والنفس الناطقة قوة تقتضي ذلك لما حصل لها ولو كان بغير قوة ومقتضى منها لا يمكن حصوله للجمادات والحيوانات لكن فاطرها وبارئها خصها بهذه القوة القابلية وفطرها عليها يوضحه

الوجه الثامن أنه لو كان السبب مجرد التعليم من غير قوة قابلة لحصل ذلك في الجمادات والحيوانات لأن السبب واحد ولا قوة هناك يهيء بها هذا المحل من غيره فعلم أن حصول ذلك في محل دون محل هو لاختلاف القوابل والاستعدادات

الوجه التاسع أن حصول هذه المعرفة والإرادة في العدم المحض محال فلا بد من وجود المحل وحصوله في موجود غير قابل محال بل لا بد من قبول المحل وحصوله من غير مدد من الفاعل إلى القابل فلو قطع الفاعل إمداده لذلك المحل القابل لم يوجد ذلك المقبول فلا بد من الإيجاد والإعداد فإذا استحال وجود القبول من غير إيجاد المحل استحال وجوده من غير إعداده وإمداده والخلاق العليم سبحانه هو الموجد المعد الممد

الوجه العاشر أنه من المعلوم أن النفس لا توجب بنفسها لنفسها حصول العلم والإرادة بل لا بد فيها من قوة يقبل بها ذلك لا تكون هي المعطية لتلك القوة وتلك القوة لا تتوقف على أخرى والإ لزام التسلسل الممتنع والدور الممتنع وكلاهما ممتنع فها هنا ثلاثة أمور أحدها وجود قوة قابلة قابلة الثاني أن تلك القوة ليست هي المعطية لها الثالث أن تلك القوة لا تتوقف على قوة أخرى فحينئذ لزم أن يكون فاطرها وبارئها قد فطرها على تلك القوة وأعدها بها لقبول ما خلقت له وقد علم بالضرورة أن نسبة ذلك إليها وضده ليسا على السواء

الوجه الحادي عشر إنا لو فرضنا توقف هذه المعرفة والمحبة على سبب خارج أليس عند حصول ذلك السبب يوجد في الفطرة ترجيح ذلك ومحبته على ضده فهذا الترجيح والمحبة والأمر مركوز في الفطرة

الوجه الثاني عشر أنا لو فرضنا أنه لم يحصل المفسد الخارج ولا المصلح الخارج لكانت الفطرة مقتضية لإرادة المصلح وإيثاره على ما سواه وإذا كان المقتضى موجودا والمانع مفقودا وجب حصول الأثر فإنه لا يتختلف إلا لعدم مقتضيه أو لوجود مانعه

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت