فهرس الكتاب

الصفحة 32 من 306

موسى لقومه يا قوم لم تؤذونني وقد تعلمون أني رسول الله إليكم فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم والله لا يهدي القوم الفاسقين وقال تعالى في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا وقال يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه وأنه إليه تحشرون أي أن تركتم الاستجابة لله ورسوله عاقبكم بأن يحول بينكم وبين قلوبكم فلا تقدرون على الاستجابة بعد ذلك ويشبه هذا أن لم يكن بعينه قوله ولقد أهلكنا القرون من قبلكم لما ظلموا وجاءتهم رسلهم بالبينات وما كانوا ليؤمنوا الآية وفي موضع آخر تلك القرى نقص عليك من أنبائها ولقد جاءتهم رسلهم بالبينات فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا من قبل كذلك يطبع الله على قلوب الكافرين وفي هذه الآية ثلاثة أقوال أحدها قال أبو إسحاق هذا اخبار عن قوم لا يؤمنون كما قال عن نوح أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن واحتج على هذا بقوله كذلك يطبع الله على قلوب الكافرين قال وهذا يدل على أنه قد طبع على قلوبهم وقال ابن عباس فما كان أولئك الكفار ليؤمنوا عند ارسال الرسل بما كذبوا يوم أخذ ميثاقهم حين أخرجهم من ظهر آدم فآمنوا كرها وأقروا باللسان وأضمروا التكذيب وقال مجاهد فما كانوا لو أحييناهم بعد هلاكهم ليؤمنوا بما كذبوا به من قبل هلاكهم قلت وهو نظير قوله ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه وقال آخرون لما جاءتهم رسلهم بالآيات التي اقترحوها وطلبوها ما كانوا ليؤمنوا بعد رؤيتها ومعاينتها بما كذبوا به من قبل رؤيتها ومعاينتها فمنعهم تكذيبهم السابق بالحق لما عرفوه من الإيمان به بعد ذلك وهذه عقوبة من رد الحق أو أعرض عنه فلم يقبله فإنه يصرف عنه ويحال بينه وبينه ويقلب قلبه عنه فهذا إضلال العقوبة وهو من عدل الرب في عبده وأما الاضلال السابق الذي ضل به عن قبوله أولا والاهتداء به فهو اضلال ناشىء عن علم الله السابق في عبده أنه لا يصلح للهدى ولا يليق به وأن محله غير قابل له فالله أعلم حيث يضع هداه وتوفيقه كما هو أعلم حيث يجعل رسالته فهو أعلم حيث يجعلها أصلا وميراثا وكما أنه ليس كل محل أهلا لتحمل الرسالة عنه وأدائها إلى الخلق فليس كل محل أهلا لقبولها والتصديق بها كما قال تعالى وكذلك فتنا بعضهم ببعض ليقولوا أهؤلاء من الله عليهم من بيننا أليس الله بأعلم بالشاكرين أي ابتلينا واختبرنا بعضهم ببعض فابتلى الرؤساء والسادة بالاتباع والموالى والضعفاء فإذا نظر الرئيس والمطاع إلى المولى والضعيف إنفة وأنف أن يسلم وقال هذا يمن الله عليه بالهدى والسعادة دوني قال الله تعالى أليس الله بأعلم بالشاكرين وهم الذين يعرفون النعمة وقدرها ويشكرون الله عليها بالاعتراف والذل والخضوع والعبودية فلو كانت قلوبكم مثل قلوبهم تعرفون قدر نعمتي وتشكروني عليها وتذكروني بها وتخضعون لي كخضوعهم وتحبوني كحبهم لمننت عليكم كما مننت عليهم ولكن لمنني ونعمي محال لا تليق إلا بها ولا تحسن إلا عندها ولهذا يقرن كثيرا بين التخصيص والعلم كقوله ههنا أليس الله بأعلم بالشاكرين وقوله إذا جاءتهم آية قالوا لن نؤمن حتى نؤتي مثل ما أوتي رسل الله الله أعلم حيث يجعل رسالته وقوله وربك يخلق ما يشاء ويختار ما كان لهم الخيرة سبحان الله وتعالى عما يشركون وربك يعلم ما تكن صدروهم وما يعلنون أي سبحانه المتفرد بالخلق والاختيار مما خلق وهو الاصطفاء والاجتباء ولهذا كان الوقف التام عند قوله ويختار ثم نفى عنهم الاختيار الذي اقترحوه بإرادتهم وأن ذلك ليس إليهم بل إلى الخلاق العليم الذي هو أعلم بمحال الاختيار ومواضعه لا من قال لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم فأخبر سبحانه أنه لا يبعث الرسل باختيارهم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت