فهرس الكتاب

الصفحة 52 من 306

وقالت طائفة يجوز وقوع فعل بين فاعلين بنسبتين مختلفتين بإحداهما يكون محدثا وبالأخرى يكون كاسبا وهذا مذهب النجار وضرار بن عمرو ومحمد بن عيسى بن حفص والفرق بين هذا المذهب ومذهب الأشعريين من وجهين أحدهما أن صاحب هذا المذهب يقول العبد فاعل حقيقة وإن لم يكن محدثا مخترعا للفعل والأشعري يقول العبد ليس بفاعل وأن نسب إليه الفعل وإنما الفاعل في الحقيقة هو الله فلا فاعل سواه الثاني أنهم يقولون الرب هو المحدث والعبد هو الفاعل وقالت فرقة بل أفعال العباد فعل لله على الحقيقة وفعل العبد على المجاز وهذا أحد قولي الأشعري وقالت فرقة أخرى منهم القلانسي وأبو إسحاق في بعض كتبه أنها فعل لله على الحقيقة وفعل الإنسان على الحقيقة لا على معنى أنه أحدثها بل على معنى أنه كسب له وقالت طائفة أخرى وهم جهم واتباعه أن القادر على الحقيقة هو الله وحده وهو الفاعل حقا ومن سواه ليس بفاعل على الحقيقة ولا كاسب أصلا بل هو مضطر إلى جميع ما فيه من حركة وسكون وقول القائل قام وقعد وأكل وشرب مجاز بمنزلة مات وكبر ووقع وطلعت الشمس وغربت وهذا قول الجبرية الغلاة وقابلة طائفة أخرى فقالوا العباد موجدون لأفعالهم مخترعون لها بقدرهم وأرادتهم والرب لا يوصف بالقدرة على مقدور العبد ولا تدخل أفعالهم تحت قدرته كما لا يوصف العباد بمقدور الرب ولا تدخل أفعاله تحت قدرهم وهذا قول جمهور القدرية وكلهم متفقون على أن الله سبحانه غير فاعل لأفعال العباد واختلفوا هي يوصف بأنه مخترعها ومحدثها وأنه قادر عليها وخالق لها فجمهورهم نفوا ذلك ومن يقرب منهم إلى السنة أثبت كونها مقدورة لله وأن الله سبحانه قادر على أعيانها وأن العباد أحدثوها باقدار الله لهم على إحداثها وليس معنى قدرة الله عليها عندهم أنه قادر على فعلها هذا عندهم عين المحال بل قدرته عليها إقدارهم على إحداثها فأنما أحدثوها بقدرته وإقداره وتمكينه وهؤلاء أقرب القدرية إلى السنة وأرباب هذه المذاهب مع كل طائفة منهم خطأ وصواب وبعضهم أقرب إلى الصواب وبعضهم اقرب الى الخطأ وأدلة كل منهم وحججه إنما تنهض على بطلان خطاء الطائفه الأخرى لا على إبطال ما أصابوا فيه فكل دليل صحيح للجبرية إنما يدل على إثبات قدرة الرب تعالى ومشيئته وأنه لا خالق غيره وأنه على كل شيء قدير لا يستثنى من هذا العموم فرد واحد من أفراد الممكنات وهذا حق ولكن ليس معهم دليل صحيح ينفي أن يكون العبد قادرا مريدا فاعلا بمشيئته وقدرته وأنه الفاعل حقيقة وأفعاله قائمة به وأنها فعل له لا لله وأنها قائمة به لا بالله وكل دليل صحيح يقيمه القدرية فأنما يدل على أن أفعال العباد فعل لهم قائم بهم واقع بقدرتهم ومشيئتهم وإرادتهم وأنهم مختارون لها غير مضطرين ولا مجبورين ليس معهم دليل صحيح ينفي أن يكون الله سبحانه قادرا على أفعالهم وهو الذي جعلهم فاعلين فأدلة الجبرية متظافرة صحيحة على من نفى قدرة الرب سبحانه على كل شيء من الأعيان والأفعال ونفى عموم مشيئته وخلقه لكل موجود وأثبت في الوجود شيئا بدون مشيئته وخلقه وأدلة القدرية متظافرة صحيحة على من نفى فعل العبد وقدرته ومشيئته واختياره وقال أنه ليس بفاعل شيئا والله يعاقبه على ما لم يفعله ولا له قدرة عليه بل هو مضطر إليه مجبور عليه وأهل السنة وحزب الرسول وعسكر الإيمان لا مع هؤلاء ولا مع هؤلاء بل هم مع هؤلاء فيما أصابوا فيه وهم مع هؤلاء فيما أصابوا فيه فكل حق مع طائفة من الطوائف فهم يوافقونهم فيه وهم براء من باطلهم فمذهبهم جمع حق الطوائف بعضه إلى بعض والقول

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت