كثير منهم فيشاء ما لا يكون ويكون ما الاشياء وهل يقتضي ذلك كمال حمده وهل يقتضيه كمال ربوبيته ثم قوله أياك نعبد وإياك نستعين مبطل لقول الطائفتين المنحرفتين عن قصد السبيل فإنه يتضمن إثبات فعل العبد وقيام العبادة به حقيقة فهو العابد على الحقيقة وإن ذلك لا يحصل له إلا بإعانة رب العالمين عز و جل له فإن لم يعنه ولم يقدره ولم يشأ له العبادة لم يتمكن منها ولم يوجد منه البتة فالفعل والأقدار والإعانة من الرب عز و جل ثم قوله إهدنا الصراط المستقيم يتضمن طلب الهداية ممن هو قادر عليها وهي بيده إن شاء اطاها عبده وإن شاء منعه إياها والهداية معرفة الحق والعمل به فمن لم يجعله الله تعالى عالما بالحق عاملا به لم يكن له سبيل إلى الإهتداء فهو سبحانه المتفرد بالهداية الموجبة للإهتداء التي لا يتخلف عنها وهي جعل العبد مريدا للهدى محبا له مؤثرا له عاملا به فهذه الهداية ليست إلى ملك مقرب ولا نبي مرسل وهي التي قال سبحانه فيها إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء مع قوله تعالى وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم فهذه هداية الدعوة والتعليم والإرشاد وهي التي هدي بها ثمود فاستحبوا العمى عليها وهي التي قال تعالى فيها وما كان الله ليضل قوما بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون فهداهم هدى البيان الذي تقوم به حجته عليهم ومنعهم الهداية الموجبة للإهتداء التي لا يضل من هداه بها فذاك عدله فيهم وهذا حكمته فأعطاهم ما تقوم به الحجة عليهم ومنعهم ما ليسوا له بأهل ولا يليق بهم وسنذكر في الباب الذي بعد هذا إن شاء الله تعالى ذكر الهدى والضلال ومراتبهما وأقسامهما فإنه عليه مدار مسائل القدر والمقصود ذكر بعض ما يدل على إثبات هذه المرتبة الرابعة من مراتب القضاء والقدر وهي خلق الله تعالى لأفعال المكلفين ودخولها تحت قدرته ومشيئته كما دخلت تحت علمه وكتابه قال تعالى الله خالق كل شيء وهو على كل شيء وكيل وهذا عام محفوظ لا يخرج عنه شيء من العالم أعيانه وأفعاله وحركاته وسكناته وليس مخصوصا بذاته وصفاته فإنه الخالق بذاته وصفاته وما سواه مخلوق له واللفظ قد فرق بين الخالق والمخلوق وصفاته سبحانه داخله في مسمى اسمه فإن الله سبحانه اسم للإله الموصوف بكل صفة كمال المنزه عن كل صفة نقص ومثال والعالم قسمان أعيان وأفعال وهو الخالق لأعيانه وما يصدر عنها من الأفعال كما أنه العالم بتفاصيل ذلك فلا يخرج شيء منه عن علمه ولا عن قدرته ولا عن خلقه ومشيئته قالت القدرية نحن نقول إن الله خالق أفعال العباد لا على أنه محدثها ومخترعها لكن على معنى أنه مقدرها فإن الخلق التقدير كما قال تعالى فتبارك الله أحسن الخالقين وقال الشاعر ... ولأنت تفري ما خلقت وبعض القوم يخلق ثم لا يفرى ...
أي لأنت تمضي ما قدرته بعرفك وتنف وقدرتك وبعض القوم يقدر ثم لا قوة له ولا عزيمة على إنفاذ ما قدره بعرفك وتنفذه وإمضائه فالله تعالى مقدر أفعال العباد وهم الذين أوجدوها وأحدثوها قال أهل السنة قدماؤكم ينكرون تقدير الله سبحانه لأعمال العباد البتة فلا يمكنهم أن يجيبوا بذلك ومن اعترف منكم بالتقدير فهو تقدير لا يرجع إلى تأثير وإنما هو مجرد العلم بها والخبر عنها ليس التقدير عندكم جعلها على قدر كذا وكذا فإن هذا عندكم غير مقدور للرب ولا مصنوع له وإنما هو صنع العبد واحداثه فرجع التقدير إلى مجرد العلم والخبر وهذا لا يسمى خلقا في لغة أمة من الأمم ولو كان هذا خلقا لكان من علم شيئا وعلم أسمائه وصفاته وأخبر عنه بذلك خلقا له فالتقدير الذي أثبتموه أن كان متضمنا للتأثير