فهرس الكتاب

الصفحة 63 من 306

قلوب المجرمين لا يؤمنون به حتى يروا العذاب الأليم قال ابن عباس سلك الشرك في قلوب المكذبين كما سلك الخرزة في الخيط وقال أبو إسحاق أي كما فعل بالمجرمين الذين استهزؤا بمن تقدم من الرسل كذلك سلك الضلال في قلوب المجرمين واختلفوا في مفسر الضمير في قوله نسلكه فقال ابن عباس سلكنا الشرك وهو قول الحسن وقال الزجاج وغيره هو الضلال وقال الربيع يعني الاستهزاء وقال الفراء التكذيب وهذه الأقوال ترجع إلى شيء واحد والتكذيب والاستهزاء والشرك كل ذلك فعلهم حقيقة وقد أخبر أنه سبحانه هو الذي سلكه في قلوبهم وعندي في هذه الأقوال شيء فإن الظاهر أن الضمير في قوله لا يؤمنون به هو الضمير في قوله سلكناه فلا يصح أن يكون المعنى لا يؤمنون بالشرك والتكذيب والاستهزاء فلا تصح تلك الأقوال إلا بإختلاف مفسر الضميرين والظاهر اتحاد فالذين لا يؤمنون به هو الذي سلكه في قلوبهم وهو القرآن فإن قيل فما معنى سلكه إياه في قلوبهم وهم ينكرونه قبل سلكه في قلوبهم بهذه الحال أي سلكناه غير مؤمنين به فدخل في قلوبهم مكذبا به كما دخل في قلوب المؤمنين مصدقا به وهذا مراد من قال إن الذي سلكه في قلوبهم هو التكذيب والضلال ولكن فسر الآية بالمعنى فإنه إذا دخل في قلوبهم مكذبين به فقد دخل التكذيب والضلال في قلوبهم فإن قيل فما معنى إدخاله في قلوبهم وهم لا يؤمنون به قيل لتقوم عليهم بذلك حجة الله فدخل في قلوبهم وعلموا أنه حق وكذبوا به فلم يدخل في قلوبهم دخول مضدق به مؤمن به مرضي به وتكذيبهم به بعد دخوله في قلوبهم أعظم كفرا من تكذيبهم به قبل أن يدخل في قلوبهم فإن المكذب بالحق بعد معرفته له شر من المكذب به ولم يعرفه فتأمله فإنه من فقه التفسير والله الموفق للصواب

ومن ذلك قوله تعالى ألم تر أنا أرسلنا الشياطين على الكافرين تؤزهم أزا فالإرسال هاهنا إرسال كوني قدري كإرسال الرياح وليس بإرسال ديني شرعي فهو إرسال تسليط بخلاف قوله في المؤمنين إن عبادي ليس لك عليهم سلطان فهذا السلطان المنفى عنه على المؤمنين هو الذي أرسل به جنده على الكافرين قال أبو إسحاق ومعنى الإرسال ههنا التسليط تقول قد أرسلت فلانا على فلان إذا سلطته عليه كما قال إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين فاعلم أن من اتبعه هو مسلط عليه قلت ويشهد له قوله تعالى إنما سلطانه على الذين يتولونه والذين هم به مشركون وقوله تؤزهم أزا فالأز في اللغة التحريك والتهييج ومنه يقال لغليان القدر الأزيز لتحرك الماء عند الغليان وفي الحديث كان لصدر رسول الله صلى الله عليه و سلم أزيزا كأزيز المرجل من البكاء وعبارات السلف تدور على هذا المعنى قال ابن عباس تغريهم إغراء وفي رواية أخرى عنه تسلهم سلا وفي رواية أخرى تحرضهم تحريضا وفي أخرى تزعجهم للمعاصي إزعاجا وفي أخرى توقدهم إيقادا أي كما يتحرك الماء بالوقد تحته قال أبو عبيدة الأزيز الإلهاب والحركة كالتهاب النار في الحطب يقال إز قدرك أي ألهب تحتها النار وائتزت القدر إذا اشتد غليانها وهذا اختيار الأخفش والتحقيق أن اللفظة تجمع المعنيين جميعا قالت القدرية معنى أرسلنا الشياطين على الكافرين خلينا بينهم وبينها ليس معناه التسليط قال أبو علي الإرسال يستعمل بمعنى التخلية بين المرسل وما يريد فمعنى الآية خلينا بين الشياطين وبين الكافرين ولم يمنعهم منهم ولم يعدهم بخلاف المؤمنين الذين قيل فيهم أن عبادي ليس لك عليهم سلطان قال الواحدي وإلى هذا الوجه يذهب القدرية في معنى الآية قال وليس المعنى على

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت