فهرس الكتاب

الصفحة 84 من 306

المواضع حتى إذا استعمله فيما يحتمل غيره حمل على ما عهد منه استعماله فيه وعليه أن يقيم دليلا سالما عن المعارض على الموجب لصرف اللفظ عن ظاهره وحقيقته إلى مجازه واستعارته وإلا كان ذلك مجرد دعوى منه فلا تقبل

وتأويل بعضهم هذه النصوص على أن المراد بها هداية البيان والتعريف لا خلق الهدى في القلب فإن الله سبحانه لا يقدر على ذلك عند هذه الطائفة وهذا التأويل من أبطل الباطل فإن الله سبحانه يخبر أنه أقسم هدايته قسمين قسما لا يقدر عليه غيره وقسما مقدورا للعباد فقط في القسم المقدور للغير وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم وقال في غير المقدور للغير إنك لاتهدي من أحببت وقال من يضلل الله فلا هادي له ومعلوم قطعا أن البيان والدلالة قد تحصل له ولا تنفي عنه وكذلك قوله فإن الله لا يهدي من يضل لا يصح حمله على هداية الدعوة والبيان فإن هذا يهدي وإن أضله الله بالدعوة والبيان وكذا قوله وأضله الله على علم وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة فمن يهديه من بعد الله هل يجوز حمله على معنى فمن يدعوه إلى الهدى ويبين له ما تقوم به حجة الله عليه وكيف يصنع هؤلاء بالنصوص التي فيها أنه سبحانه هو الذي أضلهم أيجوز لهم حملها على أنه دعاهم إلى الضلال فإن قالوا ليس ذلك معناها وإنما معناها الفاهم ووجدهم كذلك أو أعلم ملائكته ورسله بضلالهم أو جعل على قلوبهم علامة يعرف الملائكة بها أنهم ضلال قيل هذا من جنس قولكم أن هداه سبحانه واضلاله بتسميتهم مهتدين وضالين فهذه أربع تحريفات لكم وهو أنه سماهم بذلك وعلمهم بعلامة يعرفهم بها الملائكة وأخبر عنهم بذلك ووجدهم كذلك فالأخبار من جنس التسمية وقد بينا أن اللغة لا تحتمل ذلك وأن النصوص إذا تأملها المتأمل وجدها أبعد شيء من هذا المعنى وأما العلامة فيا عجبا لفرقة التحريف وما جنت على القرآن والإيمان ففي أي لغة وأي لسان يدل قوله تعالى أنك لا تهدي من أحببت على معنى أنك لا تعلمه بعلامة ولكن الله هو الذي يعلمه بها وقوله من يضلل الله فلا هادي له من يعلمه الله بعلامة الضلال لم يعلمه غيره بعلامة الهدى وقوله ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها لعلمناها بعلامة الهدى الذي خلقته هي لنفسها وأعطته نفسها وفي أي لغة يفهم من قول الداعي اهدنا الصراط المستقيم علمنا بعلامة يعرف الملائكة بها إننا مهتدون وقولهم ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا لا تعلمها بعلامة أهل الزيغ وقوله يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك يا مصرف القلوب صرف قلبي على طاعتك وأمثال ذلك من النصوص ففي أي لغة وأي لسان يفهم من هذا علمنا بعلامة الثبات والتصريف على طاعتك وفي أي لغة يكون معنى قوله وجعلنا قلوبهم قاسية علمناها بعلامة القسوة أو وجدناها كذلك نعم لو نزل القرآن بلغة القدرية والجهمية وأهل البدع لأمكن حمله على ذلك أو كان الحق تبعا لأهوائهم وكانت نصوصه تبعا لبدع المبتدعين وآراء المتحيرين وأنت تجد جميع هذه الطوائف تنزل القرآن على مذاهبهم وبدعها وآرائها فالقرآن عند الجهمية جهمي وعند المعتزلة معتزلي وعند القدرية قدري وعند الرافضة رافضي وكذلك هو عند جميع أهل الباطل وما كانوا أولياءه أن أولياءه إلا المتقون ولكن أكثرهم لا يعلمون وأما تحريفهم هذه النصوص وأمثالها بأن المعنى ألفاهم ووجدهم ففي أيلسان وأي لغة ودتم هديت الرجل إذا وجدته معتديا وختم الله على قلبه وسمعه وجعل على بصره غشاوة وجده كذلك وهل هذا الا افتراء محض على القرآن واللغة فإن قالوا نحن لم نقل هذا في نحو ذلك وإنما قلناه في نحو أضله الله أي وجده ضالا كما يقال أحمدت الرجل وأبجلته وأجننته إذا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت