بعيوب نفسك وتقصيرها كما هو شأن المؤمن فأثن عليه سبحانه بما هو أهله شكرًا لنعمة إطلاق الألسن بالثناء عليك حيث ستر القبيح وأظهر المليح . ولا تغتر بمدح المادحين فتهلك مع الهالكين
( 146 ) الزهاد إذا مدحوا انقبضوا لشهودهم الثناء من الخلق والعارفون إذا مدحوا انبسطوا لشهودهم ذلك من الملك الحق
يعني: أن الزهاد الذين هم في غيبة عنه تعالى إذا مدحهم المادح انقبضوا خوفًا من الاغترار القاطع لهم عن الله لشهودهم الثناء صادرًا من الخلق . والعارفون الحاضرون مع ربهم إذا مدحوا انبسطوا لشهودهم ذلك من الملك الحق لأنهم لا يشاهدون معه غيره بل يقولون ألسنة الخلق أقلام الحق وهذا محمل قوله صلى الله عليه و سلم:"إذا مدح المؤمن في وجهه ربا الإيمان في قلبه". ولذا كان المصنف يمدح شيخه المرسي فيقع عند المدح موقعًا عظيمًا . وصاحب هذا المقام إذا ذمه أحد لا يجد في نفسه عليه ولا يؤذيه لعدم شهوده الذم صادرًا منه
( 147 ) متى كنت إذا أعطيت بسطك العطاء وإذا منعت قبضك المنع فاستدل بذلك على ثبوت طفوليتك وعدم صدقك في عبوديتك
أي: متى كنت - أيها المريد - تجد من نفسك أنك إذا أعطيت شيئًا مرادًا لك بسطك العطاء وإذا منعت منه قبضك المنع فاستدل بذلك على تطفلك على أهل الله وادعاء ما لهم من المقامات ولست منهم فتكون كالطفيلي الذي يدخل مع الأضياف في ضيافتهم ولا يستحق الدخول معهم واستدل بذلك أيضًا على عدم صدقك في عبوديتك . فإن البسط عند العطاء والقبض عند المنع من
ص 112
علامات بقاء الحظ للنفس والعمل على نيله وهو مناقض للعبودية عند العارفين . فإن العارف يستوي عنده كل ما فعله سيده ساءه أم سره
( 148 ) إذا وقع منك ذنب فلا يكن سببًا ليأسك من حصول الاستقامة مع ربك فقد يكون ذلك آخر ذنب قدر عليك
أي إذا وقع منك - أيها المريد - ذنب على حسب مقامك فلا يكن سببًا مقتضيًا ليأسك من حصول الاستقامة أي اعتدال الأحوال في العبودية مع ربك لأن الاستقامة لا يناقضها فعل الذنب فلتة إذا جرى القدر بذلك وإنما يناقضها الإصرار عليه والعزم على فعله ثانيا . فالواجب عليك حينئذ أن تبادر بالتوبة منه فإنه قد يكون آخر ذنب قدر عليك فتستديم بعده الاستقامة
( 149 ) إذا أردت أن يفتح لك باب الرجاء فاشهد ما منه إليك وإذا أردت أن يفتح لك باب الخوف فاشهد ما منك إليه
أي إذا أردت - أيها المريد - أن يفتح الله لك باب الرجاء حتى ترجوه فاستحضر بقلبك ما هو واصل منه تعالى إليك من الفضل والكرم ومزيد الإحسان الذي لا يحصيه القلم . وإذا أردت أن يفتح لك باب الخوف فاشهد أي استحضر ما هو واصل منك إليه من عظيم المخالفات وارتكاب السيئات . فإذا غلب عليك هذا الحال . اشتد بك الحزن وبادرت بصالح الأعمال . فالرجاء والخوف حالان ناشئان عن هاتين المشاهدتين فاعمل بهما - أيها المريد - لتشرب بالكأسين
( 150 ) ربما أفادك في ليل القبض ما لم تستفده في إشراق نهار البسط { لا تدرون . . . . }
أي ربما أفادك مولاك - أيها العارف - من المعارف والأسرار في حال